المكان والزّمان ، حكم بعضهم بكونه مكانيّا ، ويشيرون إلى مكان يختصّ به ؛ وبعضهم بكونه زمانيّا ، ويقولون : إنّ هذا فاته ، وإنّ ذلك ما يحصل له بعد ، وينسبون من ينفى ذلك عنه إلى القول بنفي العلم بالجزئيّات الزّمانيّة ، وليس كذلك . وأمّا قياس الغائب على الشّاهد ، فهو بمن يقول : « إنّه ، تعالى ، مكانىّ أو زماني كبعض مخلوقاته » أولى .
قوله : « وقد أمعن الدّاعى النّظر - إلى قوله - والحمد للّه ربّ العالمين » .
أقول : هذا الّذي ذكره وبيّنه وأشار إليه ، طريقة أخرى غير ما كنّا فيه ، وأكثره يتعلّق بالذّوق والكشف . واللّه ، - تعالى ، - [ 44 ، ألف ] يهدى من يشاء إلى الصّراط المستقيم والدّين القويم ، وهو بكلّ شئ عليم .
( جواب المسألة الخامسة )
قوله : « مسألة كليّة تتضمّن عدّة مسائل - إلى آخرها - » .
أقول : امّا حقيقة النّفس الإنسانيّة ، فهي الّتي يشير إليها كلّ واحد من الناس بقوله « أنا » ، فإنّ ذلك أظهر الأشياء لها ، وإثباتها لا يحتاج إلى برهان ، لأنّ ثبوتها فطرىّ .
وأمّا البرهان على تجريدها ، هو أنّها ترتسم بالكلّيّات والمعقولات البريئة عن الأوضاع الجسمانيّة والأمور الّتي لا تقبل الانقسام . والمشاعر المادّية لا تدرك إلّا ما يكون على وضع منها ، أو يتعلّق بذى وضع جزئيّ ، أو يكون قابلا للقسمة ، أو متّصلا بقابل لها ، فإذن هي مجرّدة عن المادّة الجسمانيّة .
وأمّا دوام بقائها ، فلأنّها ليست في محلّ ، يكون فيها قوّة فنائها ، فإنّ الفناء بعد البقاء لا يمكن إلّا يكون فيه الفناء بالقوّة حتّى يخرج بسبب آخر إلى الفعل . فالجواهر البسيطة المتعلّقة بعللها الدّائمة الوجود لا تحتمل الفناء . وهذه المباحث وإن كانت تستدعى كلاما طويلا ، فأصوله هذا الّذي أشرت إليه .
وأمّا استغناؤها بهذا القدر الحاصل لها من الاستكمال بهذه النّشأة العنصريّة في هذه الدّار عن نشئات أخر بعد هذه ، فلأنّ التّغيّر من حال إلى حال لا يكون إلّا لما يكون تحت الزّمان ، الّذي هو منشأ جميع التّغيّرات . والزّمان لا يحيط إلّا بما لا