فعذره مستغن عن الإيراد والإصدار ، وقصور فهمه غير ممكن أن يتدارك بالاعتذار .
فأقول : أمّا صدر الكتاب فمشتمل على فوائد من كلّ فنّ لا يحصى ، ومسائل من كلّ جنس الغاية القصيا . وليت التّوفيق يساعد في الوصول إلى معرفتها ، والتّقدير يعطى استعدادا لفهم حقيقتها .
وإذ كان ذلك أجلّ وأعلى من أن يشتغل ببيانها ، أو يحتاج في كلّ قضيّة إلى إيراد برهانها ، أو يورد مقالة في تحسينها ، أو ترتّب فصول في تزينها ؛ فجعلتها ذريعة لمطالبى الحقيقيّة ووسيلة إلى مآربي اليقينيّة ، وشرعت في إيراد ما يتعلّق بالمسائل المشتملة على الأسئلة ، والفوائد المتعلّقة بتلك الوجوه المشكلة ، انقيادا لأمره وامتثالا لحكمه . فأقول . وبالله التّوفيق ، وإليه انتهاء الطريق .
( جواب المسألة الأولى )
قوله - أدام اللّه أيّامه - « هل ثبت عندكم أنّ وجود واجب الوجود أمر زائد على حقيقته - إلى أن قال : - فيكون واجب الوجود لذاته [ 37 ، ألف ] واجب الوجود لغيره .
هذا خلف » .
أقول : أمّا البرهان الموضح تحقيق كون وجوده عين ماهيّته ، وأن ليست له حقيقة وراء الوجود ، فهو أنّه لو كان له وجود وماهيّة ، لكان مبدأ الكلّ اثنين ، وكلّ اثنين محتاج إلى واحد هو مبدأ الاثنين ، والمحتاج إلى مبدأ لا يكون مبدءا للكلّ .
فإن قيل : الماهيّة موصوفة والوجود صفة لها ، والموصوف متقدّم على الصّفة القائمة بها ، فالمبدأ الأوّل واحد وهو الماهيّة . قيل : الماهيّة على تقدير تقدّمها على الوجود لا تكون موجودة ولا معدومة ، فإذن يكون مبدأ الموجودات غير موجود ، وهذا محال .
وأمّا قوله : « ومن البيّن أنّ مفهوم الوجود من حيث تعيّنه في تعقّلنا مفهوم واحد ، وهذا المفهوم من حيث إنّه هو ، إمّا أن يقتضي أن يكون عارضا لماهيّة شيء ، أولا يقتضي ذلك ، أو لا يقتضي واحدا من القسمين » .
أقول : فجوابه : إنّ الألفاظ الّتي لها مفهوم واحد مقول على كثيرين تنقسم إلى قسمين :