تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
فإن قيل : إنّه عرف أكثرها ، إلّا أنّه لا يلزم أن يعرف لوازمها كلّها . نقول : لو كان يعرف حقيقة الشّىء ثمّ ينحدر من معرفة حقيقته إلى لوازمه وخواصّه ، لكان يجب أن يعرف لوازمه وخواصّه أجمع ، لكن معرفته بالعكس ممّا يجب أن يكون عليه » « 1 » . ونحن نقول : إنّ من مقتضى الذّوق الصّحيح الّذي حظى به أهل الحقّ منه - سبحانه - كون مبدأ معرفتهم معرفة الحقّ ، لكن بالحقّ ، لا بقواهم وعقولهم . فإذا عرفوا الحقّ بالحقّ ، عرفوا بعد ذلك نفوسهم بالحقّ من حيثما عرفوه به ، ثمّ عرفوا ما شاء الحقّ أن يطلعهم عليه دفعة أو بالتّدريج . ولهذا يستحيل عندنا أن يعرف أحد حقيقة شئ ، ما لم يعرف الحقّ » . والحقّ في كلّ متعيّن عقلا أو ذهنا أو حسّا غير متعيّن ، ولا ممازج ، ولا مماثل ، ولا بعيد ؛ إلّا من حيث امتياز حقيقته عن كلّ شئ بما ذكرنا وبأمور اخر معلومة للمحقّقين على سبيل الحصر . وقد ذكرنا قبل هذا على سبيل التّلويح في التّمهيد : أنّ تعيّن الحقّ - سواء قيل بأنّ وجوده زائد على حقيقته ، أو أنّ وجوده عين حقيقته ، في تعقّل كلّ عاقل - لا يمكن أن يكون مطابقا لما هو الحقّ عليه في نفسه ، ولا لتعيّنه عند نفسه من حيث ما يمتاز عن سواه إن اقتضى علمه بنفسه ذلك التمييز . فإذا لم يكن هذا النّوع من التّعقّل مطابقا لما هو الأمر عليه ، [ 23 ، ب ] ، فكلّ حكم يترتّب على هذا التّعقّل ويضاف إلى الحقّ سلبا أو إثباتا ، إنّما هو مضاف إلى هذا التّعقّل ، والتّعيّن المشخّص في تصوّر العاقل ليس ثابتا للحقّ من حيث علمه بنفسه ، ولا مسلوبا عنه بدون هذا الاعتبار ؛ إذ لا مطابقة ، فلا علم ولا حكم يصحّ على الحقّ للعقل من هذا الوجه . فحينئذ ، سواء قيل بأنّ وجود الحقّ عين حقيقته ، أو قيل بأنّ وجوده من لوازم حقيقته ؛ لا يحصل من الأمرين تحقيق ، إذ لا يتمّ تقرير كلّ واحد من الأمرين ، فافهم .
هامش
( 1 ) ابن سينا ، التعليقات ، ص 82 .