جميع ما ذكر في تقرير كلّ واحد من الأمرين غير تامّ ولا مقنع للّبيب ؛ لأنّه إن قيل :
« إنّ وجوده عين حقيقته ، اعتمادا ورضا بما ذكره جماعة في تقرير ذلك » ، : فلقائل أن يقول : « لا نسلّم أنّ وجود الحقّ - سبحانه - عين حقيقته » .
ويدلّ على ذلك من وجوه :
منها : أنّه من البيّن أنّ مفهوم الوجود ، من حيث تعيّنه في تعقّلنا ، مفهوم واحد . وهذا المفهوم ، من حيث إنّه هو ، مع قطع النّظر عن كلّ ما سواه ، إمّا أن يقتضي أن يكون عارضا لماهيّة شئ من الماهيّات ، أو لا يقتضى ذلك ، [ 21 ، ب ] أو لا يقتضي أن يكون عارضا واحدا من القسمين .
فإن كان الأوّل ، وجب أن يكون كلّ وجود عارضا لماهيّة ، أو له صلاحية ذلك ، فوجود واجب الوجود يكون صفة لحقيقته . وإن كان الثاني وجب : إمّا أن لا يكون شئ من الوجودات المتعقّلة عارضا لشئ من الماهيّات ، وإمّا أن لا تكون هذه الماهيّات الممكنة موجودة ، أو تكون موجودة ، لكن وجودها نفس حقيقتها . وحينئذ لا يكون مفهوم الوجود مفهوما واحدا ، وقد فرضناه مفهوما واحدا ، هذا خلف . وإن كان الثّالث ، فحينئذ لا يكون وجود واجب الوجود مجرّدا عن الماهيّة إلّا لسبب منفصل ، فلا يكون وجود واجب الوجود لذاته ، بل لغيره ، هذا خلف .
والوجه الآخر : أنّ كلّ عاقل يجزم بأنّ لوجود الواجب تعيّنا في تعقّله ، يستلزم ذلك التّعيّن والتّعقّل سلب أشياء شتّى عنه وإثبات أمور شتّى أيضا له ؛ هذا مع اتّفاق جميع العقلاء بأنّ حقيقته مجهولة . فلو كان وجوده عين حقيقته لكان معلوم الحقيقة ؛ فإنّ الاتّفاق واقع بأنّه لا جائز أن يقال بأنّه معلوم الذّات من وجه ، مجهول من وجه آخر ؛ لأنّه يلزم من ذلك أن يتعقّل فيه جهتان مختلفتان . وهذا باطل ، لثبوت أنّه واحد من جميع الوجوه ، ولا شكّ في أنّ اختلاف الجهات في الشّىء ينافي صرافة وحدته .
وأيضا فلو علم على هذا الوجه لعلمت حقيقته . وهذا محال ، لاتّفاقهم على أنّ حقيقته مجهولة . فدلّ ما ذكرنا أنّ وجوده زائد على حقيقته .
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 198
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص١٩٨