والوجه الآخر : أنّ كونه مبدءا لغيره إمّا أن يكون لأنّه وجود ، أو لأنّه وجود مع سلب . والأوّل باطل ، وإلّا لكان كلّ وجود كذلك . والثاني باطل ، [ 22 ، ألف ] ، وإلّا لكان السّلب جزءا من علّة الثّبوت .
والوجه الآخر : أنّهم قالوا : أفراد الطبيعة الواحدة يجب أن يكون حكمها واحدا .
ثمّ إنّهم بنوا على هذه المقدّمة مسائل :
منها : إبطال القول بكون الخلأ بعدا مجرّدا . فقالوا : طبيعة البعد طبيعة واحدة . فإن كانت مجرّدة ، فليكن كذلك في الكلّ ، فالجسم بعد مجرّد ، هذا خلف ؛ وإن كانت ماديّة فليكن كذلك في الكلّ . فالخلأ يمتنع أن يكون بعدا مجرّدا . وأيضا قالوا : لمّا ثبت في الأجسام الّتي تقبل الفصل أنّ جسميّتها محتاجة إلى المادّة ، وجب في كلّ جسميّة أن تكون محتاجة إلى المادّة .
وإذا وضح هذا ، فيقال : أمّا الوجود من حيث هو وجود ، فحقيقة واحدة . فإن افتقرت إلى الماهيّة ، فليكن كذلك في الكلّ ؛ وإن استغنت عن الماهيّة ، فليكن كذلك في الكلّ ، هذا .
وقد يقال في الجواب : الوحدة والكثرة ونحوهما غير مفتقرة إلى المادّة ، مع أنّ لها صلاحية أن ترتبط بالمادّة تارة ، وتتجرّد عنها أخرى ، فتعقل مجرّدة عنها . فمن الجائز أن يكون شأن الوجود كذلك ، غير أنّه على تقدير صحّة ذلك لا يتحصّل من جميع ذلك برهان ولا أمر يجزم بصحّته عاقل .
وممّا يؤيّد ما ذكرنا ما اعترف به الشّيخ الرئيس ، خاتم الحكماء وخلاصة العقلاء .
وهو ما كنّا اخترنا الإعراض عن ذكره ، كما سبقت الإشارة إليه ، ثمّ استدركنا الأمر هنا ، لما رأينا من مسيس الحاجة إليه . فألمعنا باليسير ممّا ذكر ، وذلك حيث قال :
« الوقوف على حقائق الأشياء ليس في قدرة البشر ؛ فإنّا لسنا نعرف من الأشياء [ 22 ، ب ] إلّا خواصّها ولوازمها والأعراض ، ولا نعرف الفصول المقوّمة لكلّ واحد منها الدّالّة على حقيقته ، بل نعرف أنّها أشياء لها
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 199
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص١٩٩