تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
ولم ينفذ منها إلى كنه حقيقة الأمر ، فإنّه يطمئنّ بما حصل له من معرفة تلك الحقيقة بحسب نسبة تلك الصّفة منها ومن حيثها ، وبحسب مناسبة هذا الطالب معرفتها منها ، ويظنّ أنّه قد بلغ الغاية وأنّه أحاط علما بتلك الحقيقة ، وهو في نفس الأمر لم يعرفها إلّا من وجه واحد من حيث تلك الصّفة الواحدة أو العارض أو الخاصّة أو اللّازم . وينبعث غيره لطلب معرفة تلك الحقيقة أيضا بجاذب مناسبة خفيّة بينه وبينها من حيث صفة أخرى أو خاصّة أو لازم . فيبحث ويفحص ويركّب الأقيسة والمقدّمات ، ساعيا في التّحصيل حتّى ينتهى ، مثلا ، إلى تلك الصّفة الأخرى . فيعرف تلك الحقيقة من وجه آخر ، بحسب الصّفة الّتي كانت منتهى معرفته من تلك الحقيقة . فيحكم على إنيّة الحقيقة بما تقتضيه تلك الصّفة وذلك الوجه ، زاعما أنّه قد عرف كنه الحقيقة الّتي قصد معرفتها ، معرفة تامّة إحاطيّة ، وهو غالط في نفس الأمر . وهكذا الثّالث والرّابع ، فصاعدا . ( 34 ) فيختلف حكم النّاظرين في الأمر الواحد ، [ 16 ، ب ] لاختلاف الصّفات والخواصّ والأعراض الّتي هي متعلّقات مداركهم ومنتهاها من ذلك الأمر الّذي قصدوا معرفة كنهه والمعرّفة إيّاه والمميّزة له عندهم . فمتعلّق إدراك طائفة يخالف متعلّق إدراك طائفة أخرى ، كما مرّ ، لما مرّ بيانه . فاختلف تعريفهم لذلك الأمر الواحد ، وتحديدهم له ، وتسميتهم إيّاه وتعبيرهم عنه . وموجب ذلك ما سبق ذكره وكون المدرك به أيضا - وهو الفكر - قوّة جزئيّة من بعض قوى الرّوح الانسانيّ . فلا يمكنه أن يدرك إلّا جزئيّا مثله ، لما ثبت عند المحقّقين من أهل اللّه وأهل العقول السّليمة : أنّ الشّىء لا يدرك بما يغايره في الحقيقة ، ولا يؤثّر شئ فيما يضادّه وينافيه من الوجه المضادّ والمنافى ، كما ستقف على أصل ذلك وسرّه عن قريب ، إن شاء اللّه تعالى . فتدبّر هذه القاعدة وتفهّمها ، تعرف كثيرا من سرّ اختلاف الخلق في اللّه ، أهل الحجاب وأكثر أهل الاطّلاع والشّهود ، وتعرف أيضا سبب اختلاف النّاس