ونحن نقول بلسان أهل التّحقيق : إنّ القليل ، الّذي قد اعترفتم باستغنائه عن ميزانكم لسلامة فطرته وذكائه ، نسبته ، إلى المؤهّلين للتلقّى من جناب الحقّ ، والاغتراف من بحر جوده ، والاطّلاع على أسرار وجوده ، في القلّة وقصور الاستعداد ، نسبة الكثير المحتاج إلى الميزان . فأهل اللّه هم القليل من القليل .
( 26 ) ثمّ إنّ العمدة عندهم ، في الأقيسة ، البرهان ، وهو « إنّيّ » و « لمىّ » ، وروح البرهان وقطبه هو الأوسط ، واعترفوا بأنّه غير مكتسب ببرهان ، وأنّه من باب التّصوّر لا التصديق . فينحلّ ممّا ذكر : أنّ الميزان أحد جزأيه غير مكتسب ، وأنّ المكتسب منه إنّما يحصل بغير المكتسب [ وأنّ روح البرهان الّذي هو عمدة الأمر والأصل الّذي يتوقّف تحصيل العلم المحقّق عليه في زعمهم غير مكتسب . س ، حح ، ش ] ؛ وأنّ من الأشياء ما لا ينتظم على صحّتها وفسادها برهان سالم من المعارضة . بل يتوجّه عليه إشكال يعترف به الخصم . ومع ذلك فلا يستطيع أن يشكّك نفسه في صحّة ذلك الأمر هو وجماعة كثيرة سواه .
وهذا حال أهل الأذواق ومذهبهم ، حيث يقولون : إنّ العلم الصّحيح موهوب غير مكتسب ، وإنّ المتحصّل لنا بطريق التّلقّى من جانب الحقّ ، وإن لم يقم عليه البرهان النّظرىّ ، فإنّه لا يشكّكنا فيه مشكّك [ 14 ، ب ] ، ولا ريب عندنا فيه ولا تردّد ، ويوافقنا عليه مشاركونا من أهل الأذواق ، وأنتم فلا يوافق بعضكم بعضا ، إلّا لقصور بعضكم عن إدراك الخلل الحاصل في مقدّمات البراهين الّتي أقيمت لإثبات المطالب الّتي هي محلّ الموافقة على ما بيّن سرّه في هذا التّمهيد .
( 27 ) وفي الجملة ، فقد تبيّن أنّ غاية كلّ أحد فيما يطمئنّ إليه من العلوم : هو ما حصل في ذوقه ، دون دليل كسبيّ ، أنّه الحقّ ، فسكن إليه وحكم بصحّته هو ومن ناسبه في نظره وشاركه في أصل مأخذه وما يستند إليه ذلك الأمر الّذي هو متعلّق اطمئنانه . وبقي : هل ذلك الأمر المسكون إليه والمحكوم بصحّته هو في نفسه صحيح على نحو ما اعتقد فيه من حاله ما ذكرنا ، أم لا ؟ ذلك لا يعلم إلّا بكشف منه
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 186
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص١٨٦