وإذا تقرر هذا ، فنقول : كما أنّ الكاتب يطلق على من يتمكّن من الكتابة ، سواء كان مباشرا للكتابة أو لم يكن ، وعلى من يباشرها ، حال المباشرة باعتبارين ؛ كذلك العالم يطلق على من يتمكّن من أن يعلم ، سواء كان في حال استحضار المعلوم أو لم يكن ، وعلى من يكون مستحضرا له ، حال الاستحضار ، باعتبارين ؛ فوقوع اسم العالم على الأمر الأوّل يكون بالاعتبار الأوّل ، وعلى الأمر الثاني بالاعتبار الثاني .
والعالم الذي يكون علمه ذاتيّا فهو بالاعتبار الأوّل ، لأنّه بذلك الاعتبار لا يحتاج في كونه عالما إلى شئ غير ذاته ، والعلم بهذا الاعتبار شئ واحد . وأمّا بالاعتبار الثاني فهو محتاج إلى اعتبار صورة المعلوم ، وهو من حيث صورة المعلوم مغاير لذاته ، والعلم بذلك الاعتبار متكثّر بتكثّر المعلومات .
وإدراك الأوّل - تعالى - بالاعتبار الثاني ، أمّا لذاته فيكون بعين ذاته لا غير ، ويتّحد هناك المدرك والمدرك والإدراك ، ولا يتعدّد إلّا بالاعتبارات التي يستعملها العقول .
وأمّا لمعلولاته القريبة منه ، فيكون بأعيان ذوات تلك المعلولات ، إذ لا يتصوّر هناك عدم حضورها بالمعاني المذكورة أصلا ، وتتّحد هناك المدركات والإدراكات ، ولا يتعدّدان إلّا بالاعتبار ويغايرهما المدرك .
وأمّا لمعلولاته البعيدة ، كالماديّات والمعدومات ، الّتي من شأنها إمكان أن توجد في وقت أو تتعلّق بموجود ، فيكون بارتسام صورها المعقولة في المعلولات القريبة التي هي المدركات لها أوّلا وبالذات ، وكذلك إلى أن ينتهى إلى إدراك المحسوسات بارتسامها في آلات مدركها . وذلك لانّ الموجود في الحاضر حاضر ، والمدرك للحاضر مدرك لما يحضر معه .
فإذن « لا يعزب عن علمه - تعالى - مثقال ذرّة في الأرض ولا في السّماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر » . وتكون ذوات معلولاته مرتسمة بجميع الصّور ، وهي الّتي يعبّر عنها ( تارة ) بالكتاب المبين ، وتارة باللوح المحفوظ ، ويسمّيها الحكماء بالعقول الفعّالة .
ولا يلزم على هذا التقدير شئ من المحالات المذكورة والمذاهب الشّنيعة ، لكن
اجوبة المسائل النصيرية ( 20 رسالة ) — صفحة 85
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٨٥