العلم يقتضيه بالذّات ، والباقيان يقارنانه لا على سبيل الوجوب .
وكذلك الحدّ الثّالث ، وهو قولهم : « معرفة المعلوم على ما هو به » ؛ فإنّ المراد منه الاعتقاد على ما هو به ، مع أنّ العلم والمعرفة والاعتقاد متساوية في الوضوح والخفاء ، ليس بعضها أحقّ بتعريف الباقين من بعض ، وكأنّ الحدّين الأخيرين جزءا الحدّ الاوّل . [ يعنى : جزءان للحدّ الأوّل ] .
والحدّ الرّابع ، وهو قولهم : « ما به يتّصف الذّات بأنّها عالمة » بمنزلة قول القائل :
« الحركة ما به يصير الشّىء متحرّكا » وهو مع كونه غير معقول لا يدلّ أيضا الّا على ما يجرى مجرى الانكشاف ، لا على ما يقتضيه ، فإنّ بالانكشاف يتّصف الذّات بكونها ذات انكشاف .
وامّا الحدّ الخامس ، وهو قولهم « ما به يصحّ من الذّات إحكام الأشياء وإتقانها » فمن جنس تعريف اللوازم بالملزومات ، وذلك لانّ الإحكام في الفعل وإتقانه يستلزم كون الفاعل عالما عند المتكلّمين ، ولذلك يستدلّون بكون أفعال اللّه - تعالى - محكمة متقنة على كونه عالما قادرا . فاذن ، ليس في هذه الحدود ما يدلّ ظاهرا على كون العلم علّة الانكشاف . وباقي كلامه ظاهر ، إلى قوله : « فلا نطوّل بذكرها » .
( الإدراك والوجود الذهنىّ عند الحكماء )
9 - قال : وبإزاء هؤلاء قوم يفسّرون العلم بأنّه حصول صورة المعلوم في القوّة العاقلة ، ويحدّون الإدراك الذي يتناول ( عندهم ) العلم وغيره ، بأن يقولوا : إدراك الشّىء هو أن تكون حقيقته متمثّلة عند المدرك يشاهدها ما به يدرك ، ويجعلون العلم هيأة تحصل في نفس العالم لها إضافة إلى المعلوم .
ويستدلّون على ما قالوا بأنّ المدرك لا بدّ وأن تحضره صورة المدرك وتوجد عنده ، وقد يدرك ما لا وجود له في نفسه ، فيكون إدراكه له ليس وجوده في نفسه ، بل حصوله للقوى المدركة وجوده لها ، ويعبّرون عن هذا بالوجود الذّهنىّ .
9 - أقول : هذا هو المشهور من مذهب الحكماء ، إلّا أنّ القول بأنّ العلم صورة