وقد اشبع القول في هذا المعنى ، وبيّن السيرة المختارة في كل واحد من الاخلاق والأحكام وعدّد بعضها على سبيل الأمثلة حتى ذكر العفة ، وبيّن ان اختيار الملذّ على المؤذى هو سيرة قهرية . واختيار المؤذى على الملذ هو سيرة اختيارية . ثم ذكر ذلك أيضا في الصحّة والشجاعة والعلم وغير ذلك .
وذكر أيضا ان المدينة [ 18 ] لا يتمّ امرها الّا بان توطّأ لسننها توطئات من السياسات . حتى إذا تمكّنت تلك التوطئات ، عملت السّنة العظيمة الباهرة عملها ، ومثّل على ذلك من السّدى واللحمة في الأثواب ثم صرّح بان تلك السياسات نوعان : امّا أحدهما فرؤساء القبائل وسياستهم لها ؛ واما الآخر فالسّنن التي يضعها واضعوها . وذلك ان هذا المعنى موجود في جميع ما يساس من النّعم « 1 » والناس : فان لكل صنف منها ومنهم سائسا ورسما غير السائس والرسم الذي للآخر . ثم ذكر معنى آخر نافعا في هذا الباب ، وهو ان التغلب يحتاج اليه ليصير توطئة للسّنة الإلهية والحاجة اليه لمعنيين اثنين : أحدهما تنظيف المدينة من الأشرار الذين دأبهم وشأنهم وصناعتهم ووكدهم : العناد للرؤساء ؛ والمعنى الآخر ليصيروا عبرة وعظة للأخيار ، فيقبلون سنّة المتألهين بسهولة وهشاشة . واتى على ذلك بأمثلة . ولخص تلك كلها تلخيصا بليغا . ثم بيّن ان الحاجة إذا لم تصدق ولم تمسّ إلى شئ ، لا يكون الامر فيه بغاية الاحكام . ومثّل على ذلك مثالا من الانتقال والمسكنة « 2 » اللذين يمكن فيهما ان يجعل أساس مدينة فاضلة لصدق حاجة النّقلة إلى السكون ، وصدق حاجة ذوى الفاقة إلى ما يقيم معاشهم .
هامش
( 1 ) النعم ( بفتح النون والعين ) : الانعام ، الماشية ، الحيوان .
( 2 ) الانتقال : الهجرة ، الترحال . المسكنة : الفاقة ، الفقر . النقلة : المهاجرون المترحلون .