تلك الأوصاف المذكورة فيه ، أو إنما هي أشياء يصفها المتكلم إما بقدرته على الكلام والذلاقة « 1 » ، وإمّا لمحبته لذلك الشئ وحسن رأيه فيه . فان وجد الامر في نفسه شريفا مستحقا لتلك الصفات فلينف الظنّ الذي وصفناه عن خلده . والناموس في نفسها شريفة فاضلة . وكل ما يقال منها وفيها فهي أفضل من ذلك .
ثم بيّن أنه لا سبيل إلى معرفة حقائق النواميس وفضيلتها وحقائق جميع الأشياء إلّا بالمنطق والتدرّب فيه ، وأن الواجب على الناس أن يتدربوا فيه ويرتاضوا به وإن لم يكن غرضهم في أول الأمر الوقوف على حقيقة الناموس ، فجائز ، إذ ذلك ينفعهم باخرة « 2 » . واتى على ذلك بأمثلة من الصناعات ، كالصّبي الذي يتخذ الأبواب والبيوت على جهة اللعب فتحصل في نفسه من الصناعات ملكات وقنيات ينتفع بها إذا رام الصناعة بالجدّ . ثم عطف على صاحب الناموس ، وذكر أن ارتياضه منذ صباه ، بالأمور السياسية وتأمل صوابها وخطتها مما ينفعه إذا توسط الامر بالجد فيه [ 6 ] فإنه يصير حينئذ بحيث يمكنه ضبط نفسه والصبر على ما هو بصدده ، لما قد تقدّم له ومضى من الارتياض والتدرّب بذلك الأمر .
ثم شرع يبيّن أن في نفس كل انسان قوّتين متقابلتين بينهما مجاذبة وأنه يوجد له حزن وفرح ، ولذة وأذى ، وسائر المتقابلات ؛ وأن إحدى القوتين تمييزية والأخرى بهيمية ، وأن فعل الناموس إنما يكون بالتمييزية لا بالبهيمية . وبيّن أن المجاذبة التي تقع من جهة « 3 » القوة البهيمية شديدة صعبة ، والتي تكون من جهة التمييزية ألين وألطف ، وأن الواجب على
هامش
( 1 ) هكذا في المخطوط ، ولم يستطع ج قراءتها فأصلحها إلى : البلاغة . والذلاقة :
الفصاحة وانطلاق اللسان .
( 2 ) ج : بآخره - وهذا خطأ . وبأخرة - في آخر الامر ، أخيرا ، بعد زمان .
( 3 ) في المخطوط : جملة . ويقترح كراوس ( في هامش نشرة جبرييلى ص 10 ) : جهة .