تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أفلاطون في الاسلام — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
فينبغي أن نشرح حقيقة الرداءة وما يراد بها لتتم لنا سياقة البرهان بعد ذلك . فنقول : إن الرداءة مقترنة بالفساد . والفساد مقترن بالعدم . والعدم مقترن بالهيولى . فالرداءة مقترنة بالهيولى . وبيان هذا الكلام أنه حيث لا هيولى ، فلا عدم . وحيث لا عدم ، فلا فساد . وحيث لا فساد ، فلا رداءة . فالهيولى معدن الرداءة ، وينبوع الشرّ وأصله الذي منه يتفرع . ومقابل هذه الرداءة : الجودة . والجودة تقترن بالبقاء . والبقاء يقترن بالوجود . والجود هو أول صورة أبدعها الباري عز وجل ؛ فلذلك هو خير محض لا يشوبه شرّ ولا عدم . واختص به العقل الفعّال . وذلك أن الوجود الحقّ الذي ليس فيه هيولى بتة ولا معنى الانفعال هو العقل الأول . وفي تبيين الخير والشر ، والذي لا خير ولا شر - كلام طويل يخرج عن حدّ ما نحن فيه . ومن قرأ كلام أفلاطن فيه ، وكتابا لبرقلس « 1 » خصّه به ، وكلاما لجالينوس فيه - تبيّن له طوله وحاجته إلى الشرح ، إلّا أنني قد اجتهدت في اختصاره وإيراده مع ذلك مشروحا . نعود الآن فنقول : إن النفس صورة يكمل البدن بوجودها فيه . فليست إذن هيولى . وقد بيّنا أيضا أنها ليست صورة هيولانية ، أي محتاجة إلى الهيولى في وجودها . فالنفس ليس لها شئ من رداءة . فالنفس ليس لها فساد ؛ والنفس ليس لها عدم . فالنفس إذن باقية . فأما سياق البرهان فهكذا : النفس ليس فيها شئ من الرداءة .
هامش
( 1 ) يشير إلى كتاب « الخير المحض » لبرقلس الذي نشرناه في كتابنا : « الأفلاطونية المحدثة عند العرب » ، القاهرة سنة 1955 . وهذه الإشارة مهمة جدا في اثبات أن كتاب « الخير المحض » كان معروفا في العالم الاسلامي في القرن الرابع ، ما دام مسكويه يشير اليه . وهي حجة جديدة حاسمة تقضى على كل مزاعم من ظنوا أن الكتاب قد وضع في أوروبا في القرن الثاني عشر . راجع مقدمتنا لكتابنا هذا .
أفلاطون في الاسلام — صفحة 334 | عبد الرحمن بدوي