كلامه في العوالم العالية ، يعنى عالم النفس ، وعالم العقل ، وعالم الربوبية
قال إن الكلام على العوالم العالية ليس بطبيعى ، بل تعليمي . وإن كنا استدللنا على أنها مفردات متحددات في أفعالها مما أفادنا الكيان ، لأن القول على عالم الطبيعة خلاف القول في العاليات من العوالم ، لما نشاهده من اختلاف حركات أجزائه بما فيه من القصد والتأليف والتركيب . حتى إذا انتهينا إلى نهاية سلوكه ، أعنى الفلك ، رأينا الحركة قد أخذت في الانفراد والاتحاد ، فصارت [ 29 ] لا ضدّ لها ولا معاند . وذلك لقرب هذه الحركة من تهذيب العوالم الشريفة وتطلعها إليه ، وما نالت بذلك من فضائلها الدائمة ببسطها وانفرادها إذا كانت نهاية عالم الطبيعة مطابقه لعالم النفس .
فلذلك صار هذا الجسم الشريف الكريم ، أعنى الفلك : أدوم بقاء من سائر اجزاء العالم الفانية . وقد علمنا وسائر الفلاسفة الطبيعيين والتعليميين أن حركة الاستدارة لا ضد لها ، وأن حركة الدور كانت في آخر نهاية سلوك عالم الطبيعة ، لأنه ليس هناك شئ ، بما « 1 » في وسطه من كثرة التضاد والاختلاف ، فلذلك صارت الحركة متحدة مبسوطة . وإذا كان الفلك إنما يتم دوام بقائه لهذه العلل الموجودة ، أعنى لانفراد حركته واتحاد فعله وعدم الاضداد له ، فكم بالحرى العوالم العالية يجب أن تكون أبقى وأدوم ، إذ كانت لا أضداد لها فينالها بأضدادها التغير وعدم الأبدية والتسرمد .
وقد وصفنا أن النفس أبسط وأدوم وأحكم ، والعقل أنفذ وأعلم ، والربوبية أقدر وأوسع . وقد تعلم أن القياس يشهد للحس ، والحس يشهد للقياس أنه إن كانت حركة الاستدارة [ 30 ] أبسط ما في عالم الطبيعة من قبل أنه لا ضدّ لها ولا معاند ، وكانت العلة في حركة الفلك حركة الاستدارة
هامش
( 1 ) في المخطوط : فما .