محالة أن الزمان متصل . فلما كان هذا هكذا ، علمنا أن من طلب علم الزمان من الأوّلين إنما طلبه من نحو مقادير الحركة ، لأن المقدار « من » و « إلى » . وإنما قلت إنّا في الزمان بالنوع الأول النفساني . ومن قال في نحو مقادير الحركة ، فإنما قال بالنوع الثاني الطبيعي . وقد جمعتها ليكون أشدّ بيانا وإيضاحا ، لأن الآن الزمان هو الذي تجرى عليه الحركة فيكون ماض وآت . فنفس الوقفة ، التي هي الان بين الماضي والآتي ، هو عدد الحركة ، لا الحركة ، وهو يعد ولا يعد ، لأن الحركة الكثيرة والقليلة : الزمان هو الذي يعدّها . فالزمان ليس هو حركة الفلك ، كما ظن بعض من قال من الأوّلين ، لأن حركة الفلك مختلفة كحركة السماء والشمس والقمر [ 20 ب ] وسائر الكواكب . والزمان ليس بمختلف . ولو كان كما قالوا أنه حركة الفلك ، وجب من هذا أن يكون الزمان يعرف بالزمان ، لان الحركة إنما تعرف بالزمان . فإن كانت الحركة هي الزمان فلا محالة أن الزمان يعرف بالزمان . وإذا كان هذا هكذا ، فالزمان يخالف بعضه بعضا - والدليل على أن الحركة ليست من الزمان : السرعة والابطاء لان السريع الحركة والبطيء إنما يعرف بالزمان ، والزمان يعدّ ولا يعد ؛ والحركة تعد ولا تعد . فالحركة من باب الكم لا محالة . فالزمان مؤلف من أجزاء . وليس كالعدد والكم اللذين هما غير الاجزاء .
فقد بان وصحّ أن سرعة الحركة وإبطاءها إنما يعرف بالزمان . فالزمان عدد الحركة ، وليس الحركة ، لان الحركة القليلة والكثيرة إنما تعرف وتعدّ بالزمان ، لان الحركة ما لم تكن في هيولى فإنه لا يلزمها الاتصال والانفصال . وما لم يلزمه الاتصال والانفصال لم يلزمه الزمان . والاتصال والانفصال هما يلزمان المقادير على ما ذكرنا .
فقد بان أيضا من هذا القول أن الزمان بالنوع الأول هو بين الاثنين وبالنوع الثاني هو أشكال مقادير الحركة بقدر السرعة والابطاء .
أفلاطون في الاسلام — صفحة 265
مساهمون: عبد الرحمن بدوي
ص٢٦٥