كله قائما ، شهد لنا العالم كله أنّ له مدبرا ليس من شكله ولا من جنسه .
وعلمنا أنه لا يخلو جميع الخلق ولا يقوم دونه . وشهد لنا تدبيره أنه قادر حكيم خبير . فالنفس لا تدرك الأشياء إلّا بأداة الجسد وجوارحه وحواسه ومنزلتها من الجسد منزلة المسجون الذي يؤدى إليه غيره الاخبار . ولو أن النفس عرفت الأشياء بذاتها ، استغنت عن جميع الآلة . فذلك دليل أن لها صانعا ركّبها في الجسد .
سؤال : إن قال قائل : لم يعقل العقل ذاته ؟ فإن كان يعقل ذاته فبذاته يعقل ذاته ؟ أو بغير ذاته ؟ فإن كان بذاته يعقل ذاته ، فقد تجزّأ وإن كان يعقل ذاته ، تغيرت ذاته . فليس إذا هو عقل . وإن كان « 1 » لا يعقل ذاته ، فهو الجهل .
الجواب : أنه ليس هناك عقل ومعقول ، بل العقل والمعقول شئ واحد . وقد يقال في غير ذات العقل : ان كان كل معقول مبسوطا ، فهو والمعقول شئ واحد . وإنما قلنا إن العقل عقل ذاته بأنه مبدع فقط ، لأنه كل ما طلب العقل فهو وذاته شئ واحد . وذلك لأنه إذا طلب الصورة ، انعطف على ذاته . وإذا طلب هيولى الشئ ، إنما ينعطف على الحسّ .
وقد ذكر هذا في كتاب « طيماوس » حيث قال إن العقل إذا طلب الهيولى طلبها بتوسط ؛ وإذا طلب الصور فإنما يراها في ذاته .
وقال في كتاب « فادن » : كما أن الشئ الذي بالفعل لا شئ بالقوة كذلك الشئ الذي بالقوة لا شئ بالفعل . وكذلك اللاشيء بالقوة . فإذا كان هذا هكذا ، فالشيء شئ ولا شئ . ومن اللاشىء شئ ولا شئ .
فلا محالة أن اللاشيء موجود في ابداع الشئ ، أعنى في آنية صورة الشئ فمن أجل ذلك لا يستطاع أن يبقى إلا بعد اثبات شيئيته .
وقال : ليس الاجزاء تفعل في الكل ، بل الكل يفعل في الاجزاء ،
هامش
( 1 ) ج : كنا .