لا يكون شئ في العالم حتى يفسد مثله دفعة . فكل واحد يأخذ مكان صاحبه لأنه ينتقل أحدهما مكان الآخر . وإنما الأشياء متصلة كنقط الفلك المتصلة . فمتى أخذ جزء منها في الحركة ، تحرك الجزء الثاني الذي يليه معا ، فيأخذ الثاني مكان الأول دفعة .
وقال : إن الهواء جسم كالاسفنجة ، وكجرم الصوف المنفوش : فهو ينقبض وينبسط . فمن أجل ذلك صار إذا تكوّن الشئ انقبض له الهواء ، وإذا فسد الشئ انبسط له الهواء ، فيعطى مكانا ويأخذ مكانا .
وقيل له « 1 » : أخبرونا عن البصر والسمع كيف أدركا الأشياء : بنوع كثرة ، أو بنوع وحدة ؟ فإن كان بنوع كثرة فلا محالة أن الحسّ تكثر كتكثر المحسوس ؛ وإن كان بنوع وحدة ، فكيف أدركنا الكثرة بنوع وحدة ؟ ! فقال : من أجل أن الوحدة علة الكثرة ، أدركنا الكثرة بالوحدة .
وقال : إذا كان الحاسّ والمحسوس شيئا واحدا ، بطل أن يكون العقل والمعقول شيئا واحدا ، لأنه ليس المعقول شيئا سوى معناه ، ولا معناه شيئا سوى العقل . فرجع المعقول إلى أن يكون هو والعقل شيئا واحدا بتوسط المعنى وغاية الايضاح وهو أن يوضح لك المعقولات من المعنى . فأمّا الحاس والمحسوس فليس هما كذلك ، لان الحاس إنما ينال المحسوس الجزئي ، فيكثر نحو تكثره من جهة المتوسطات ، مثل النور والهواء . فمحال أن يكون المحسوس هو النور والهواء .
وقال : العقل الكلى ليس لشئ سوى المعقولات . ومعنى المعقولات ليست غير العقل من جهة المعنى .
وقيل له : هل العقل منفصل عن العقول ، أو متصل ؟ فقال : إن العقل متصل بصورة المعنى ، لا بصورة الجوهر .
هامش
( 1 ) في الهامش : وقيل له . وفي الصلب : وقال .