بأدوية الحق ومرارة الصبر وحد اليقين والكلفة حتى تسلم له وتصبو إلى الشهوات الباقية وسكنى دار البقاء من بعد استعجاله إسقاط الغم والهم إذ كنا قد بيّنا أنهما طبع ردئ غير موجود الحقيقة في مقاييس العقل ، كما روى عن هرمس الحكيم أنه قال : أولى الناس بالرحمة من وقع في سوء المملكة . قيل : ومن ذلك ؟ قال : من كثرت شهواته ، وأدمنت حسراته ، فهو متعوب بتصاريف كلها كان يتلوها عقله وقهرها فهمه ، فهو عتيق العقل والفهم . والعقل مادة من الأصل . ومن اعتقه اللّه ورحمه من شقاء الدنيا ، كان أولى برحمته وعتقه وشقاء الأخرى . فمن أراد طريق الحق فهو الواضح إن ملكه . ومن أراده أيضا فليكف نفسه من وثاق الفم حتى يتخلص لطلب ما هو أحوج إليه وليكف رقبته من أثقال ما في هذا العالم الدنىّ التالف فقد روى عن سقراط أنه كان يأوى إلى كسر حبّ « 1 » قد وطىّ فيه بتراب فقال لمن حضره « 2 » : من أراد قلة الغمّ فليقلّ القنية . قال بعضهم : وإن « 3 » انكسر بغتة الحبّ ؟ قال : إن انكسر لم ينكسر المكان ولم أعدم التراب .
وقد حكى عن نيرن « 4 » ملك رومية أنه أهدى إليه قبّة من بلّور ثمينة « 5 » عجيبة . ففرح بها وزادت ( في ) بهجته وصفة « 6 » من حضره بحسنها ، وكان في الجملة الحاضرة حكيم . فقال له الملك : « ما تقول فيها ، إذ أنت
هامش
( 1 ) الحب ( بضم الميم ) : الزير .
( 2 ) ص : حضره فقال من . . .
( 3 ) بغير واو في ص .
( 4 ) ص : انول - والصواب ما أثبتنا ، إذ المقصود : نيرونNeronالإمبراطور الروماني . راجع هذه القصة في رسالة الكندي في دفع الأحزان التي نشرناها في كتابنا :
« رسائل فلسفية » . بنغازى - بيروت سنة 1973 ؛ وكذلك في « الجماهر » للبيرونى
( 5 ) صوابها : متمنة ، أي ذات ثمانية أوجهOctogonal. راجع نشرتنا المذكورة ، وراجع البحث الذي ألقيناه في مؤتمر البيروني في طهران في سبتمبر سنة 1973 .
( 6 ) كذا في المخطوط لكن راجع نص الكندي :