ثم رأينا في عادات كثير من الناس شدّة حرصهم على المكسب وجمع ما يجمعونه حتى إذا تكامل معهم ما فيه ، عمدوا إليه فأتلفوه في القمار ورأوه غنما . ولو منعوا عن ذلك رأوه غما ومصيبة .
وهذا المخنث بالشهوة الفاضحة : من نتف لحيته وتشويه خلقه وحرصه على الأخلاق الدنية . ولو منع من ذلك وأكره على الدخول في زي أكابر الناس وأجلّائهم ، لاغتم بذلك ورآه مصيبة . ونرى الشاطر ، بما هو عليه من قبيح السياسة وكثرة الخطر بالحركات وقبح قطع الأعضاء وأليم العقوبات بما آل أمره إلى القتل والصلب والتنكيل - فلو أكرهه مكره على لزوم السلامة لرآه نقصا وغمّا . فنقول الآن إن غمّه واجب في العقل . أمر ذلك عرض فاسد يلزم حسّا فاسدا . وإن العادات ، المقدّم ذكرها ، جرت ممن ألفها وألزم نفسه طلبها مجرى الطبع . فإذن قد بيّنا أن العادة تجرى مجرى الطبع : تصلحه وتفسده ، وتغمّه وتسرّه . فلنلزم نفوسنا طبع القناعة بالخير وإزالة الغم فيما يدخله كبير الطبع والاحسان ، لأن المحبوب والمكروه . . .
ليسا شيئا في الطبع لازما ، بل بالعادات . فإذن نعود أنفسنا [ 55 ب ] السلوة والرياضة ، وإن اتعبت فلنصبر على مقتضى التعب والمنازعة منها لما ندخره لها من الراحة في العاجلة والآجلة . ألا ترى أن كثيرا ممن تعارضهم العلل يروم قطع عضو ، ويتكلفون مضضه . وربما يستعمل الضماد ومضض الأدوية مع ما يتعجل من النفقة والغرامات والصبر ، على ما شرحنا ، لما يترجى من عقبى الراحة . فكيف لا نصبر على مضض النفس في المنازعة إلى الباطل وإكراهها « 1 » على المعاودة إلى طريق الحق والسلامة ، إذ علاج النفس أقلّ خطرا وأخفّ مؤونة وأعظم قدرا ، وإن في ملكة البدن . وبفساد الملك تفسد الرعية . والشهوات مملكة على النفس ومسلطة على فسادها « 2 » ولتعالجها
هامش
( 1 ) ص : اكره .
( 2 ) ص : ويروها على سامها وليعالجها . . .