كل ما في عالم الكون والفساد فمضمحل زائل . فكان معنى مرادهم أن طلبوا البقاء والدوام موجودين « 1 » في عالم العقل . فكأنه « 2 » [ من ] طلب من الزمان ما ليس بموجود . ومن أراد غير موجود ، عدمت طلبته معنى يبقى فينبغي للعاقل أن يطلب ما يسعده دون ما يشقيه ، ويحترز من سلوك طريق الشقاء والجهل .
وأقول إنّ من لم يعرف الزمان ، واعتبر أصول الأحوال متى زالت عنه عادة وجود دنيا فارق معها الشهوات الحسيّة : من لذيذ الطعام ، وطيب الشراب ، ومليح الملبوس والمنكوح ونحو ذلك ، وقد تقررت معرفته أنها أعراض ، لا يمكن إلّا من جهتين : إما اكتساب مغالبة ، أو اكتساب بضرب من الحيلة التي يسميها الناس تجارة وصناعة ، وينفيه أنه لا بد أن يضمحل في ذاته وتضمحل محبوباته ، ثم بدركه ذلك فكأنه أدرك [ أراد ] ما قدمناه من الفاسد الّا يكون فاسدا ، ومن الزائل ألا يكون زائلا . وإذا أردنا ألا نصاب بمصيبة أردنا أن لا نكون البتة ، لأن المفاسد لا تكون إلّا بفساد الفاسد ، بأن لم يكن كائنا . ولو قصد لمحبوباته الثبات والبقاء ، لقصد طبع البقاء بالطاعة والزم نفسه في العاجلة القناعة ، ولم يستقبل ما يأتيه بحرص . فلا يتعب نفسه فيما « 3 » زال عنه وفاته ويندم ويأسف ، بل يؤدب نفسه تأديب الملوك الاجلاء الآخذين نفوسهم بحقيقة الأدب : فهم « 4 » لا يستقبلون آتيا ، ولا يودّعون ظاعنا . أما حشو الناس وهمجهم فيشقى لكل غائب ، ويستقبل كل آت .
فإذا أدّب الإنسان نفسه بأدب الحق ، وألزمها دلائل الصدق ، واستعمل نفى الغم وتعب الحرص وزوال الغم على ما قدمناه قبل [ و ] استمتع بالمدة
هامش
( 1 ) ص : موجودان .
( 2 ) ص : فكأن .
( 3 ) ص : ما . . . ندم وأسف .
( 4 ) ص : وهم .