وكثير مما يعده الناس مصيبة : الموت ، ويكرهونه . وأنا أقول : انما يعدّ المقتضى من لم يعد فأما من أعده فهو أشهر إلى نقيضه من مقتضيه .
لو تدبر الناس أمر الموت لعلموا أنه محمود غير مذموم ، لأن الموت تمام طبعنا . ولو لم يكن موت ، لم يكن إنسان . ومع ذلك فهو البريد إلى دار الآخرة ، وإن كانوا يكرهون ذلك . ومثال ذلك في الحقيقة لو عقل الإنسان وهو نطفة ممازج القوة ثم خيّر نقله من نفس الطبع الممازج له ، لم يكن يختار غير ما هو فيه . ثم إذا سبقت المشيئة من باريه والإرادة من خالقه ، فنقله إلى أن صار في الأنثيين فلو خيّر ( في ) الانتقال لم يختر ذلك . ثم ينقل إلى الرحم ، وهو أوسع محلا من الأنثيين : فلو خير لاختار المكث « 1 » ثم ينقل كرها بعد كره إلى الأحشاء والمشيمة لتمام الكمال والكون ، فلو خيّر ( في ) نقله إلى فسيح العالم لاختار مقامه . ثم إنه لو سيم الرجوع إلى ما كان مضى من ضيق الرحم ومن مثل اختيار سواه هل كان يؤثر العود إليه ؟ ثم إذا قصدت الإرادة إرجاعه من جوف أمه وخروجه إلى نسيم هذا العالم إنما ذلك على الكره منه . ثم لو قيل له بعد مشاهدته فسيح العالم :
أترجع إلى جوف أمّك وما كنت عليه شحيحا ؟ لكره ذلك وأباه [ 56 ب ] وكذلك أقول : من نقل إلى عالم البقاء وفسحته وان كرهه ، لكره « 2 » النقل من قلة المعرفة بما هو اليه صائر من الاغتباط بدوام البقاء الروحاني . لو « 3 » خيّر بعد مشاهدته هذا العالم .
وليس الموت مكروها لمن قدم وعمل وعقل وتدبّر : إذ نحن في عالم محدود ، وشكل محصور ، ودار زوال ، وسكنى انتقال .
قد بيّنا الآن أن الهم والغمّ على جميع ما في هذا العالم غير واجبين في الحقيقة . وبيّنا ما يألفه الطبع إلى أن يصير سلّما للهم ومسببا للغم .
هامش
( 1 ) ص : الرت ( ! ) .
( 2 ) ص : لكلفه .
( 3 ) ص : ثم - والجملة كلها مضطربة .