تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أفلاطون في الاسلام — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
اليسيرة . ثم رأينا الناس عاداتهم تجرى مع الطبع مجراه ، وتنقله وتستحوذ عليها فيألفها الطبع وتلزمها الهمّة وتنصرف إليها . فلو ألزم نفسه من يأكل لذيذ الطعام أكل ما دونه ، لأشبعه وأجزأه إذ كانا يتساويان بعد أىّ ساعة ويبلغان القصد من اطراد الشبع . وإنما تحصل له لذة [ 55 أ ] ساعة ، حتى لو دام له ( ما ) قد استطابه لشبع منه ورفضه وقلاه . وكذلك الملبوسات يحرص الإنسان على ما قد لزمه طبعه وألفته عادته من جليلها ومستحسنها . وليس دون ذلك مسرته بكل متساو في ستر العورة وسرعة البلى . ولو تدبّر الحكمة وتزيّن بزينة العلم الذي هو أفضل مذخور وملبوس ومزيّن ، لم يغتم لفقد ملبوس ، وكان كما حكى عن « 1 » ذيوجانس أنه لما مر به اساخس ، الملك ، لم يقم له « 2 » . فركله الحاجب . فقال له الحكيم : خلق إنسان أو خلق بهيمة ؟ ما حملك على ما صنعت بي ؟ قال : إذ لم تقم إجلالا للملك . فأجابه الحكيم وقال : ما كنت أقوم لعبد عبدي . فاتركهم الملك وسمع المقالة وقال : من أين لك أنىّ عبد عبدك ؟ قال الحكيم : « لأنك عبد الدنيا وخادمها ومن ترك شيئا فقد اقتدر عليه . فلما تركتها أنا اختيارا ، وخدمتها أنت اضطرارا ، وجب أن تكون لها عبدا . » فعلم الملك مراده ، وأنه حكيم ثم عطف عليه بالقول : « هل لك في صحبتي ، فإني مفوّض إليك خزائن الفضة والذهب . » فأجاب الحكيم : « لو كان لهما قدر ! فما أشترى خسائس الأشياء . » قال له الملك : « فأطعمك الطيبات » . فأجاب : « ما فضل شبع الملوك على من دونهم ! » قال له الملك « فأزينك بالثياب . » فأجاب الحكيم : « إن الوصيّة سبقت لنا من الحكماء المتقدمين أن لا نزين أجسادنا بزينة الثياب ، ولكن بزينة العلم والتقى . » فبكى الملك وانصرف موليا منه .
هامش
( 1 ) ص : من .
( 2 ) ص : فدكه .