تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أفلاطون في الاسلام — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
ما الغمّ ، وما الهمّ العارضان لكثير من العالم ، وقلة الناجي منهما ، وكيف أذاهما عليهم ، مع ما فضلهم به الرب - جل اسمه - من العقول والتمييز إذ كان تعالى لم يخلق في مصنوعاته خلقا معوزا من مصلحته ، بل كان ما خلقه من خلقة مكفيّا حتى لا يرى شيئا من الحيوانات محتاجا إلى غيره ثم فضل الانسان بالنطق والدلائل والبرهان . ثم يعرض له - مع ما هو عليه من شريف الخلق وسنّى العقل - الهمّ والغم . فهل ذلك لحقيقة موجودة في الحقيقة ، أم لعرض داخل وفكر فاسد بفساد ذاته وبعض آلاته الشفافة بالعقل ؟ فرأيت أن أجيبك - أكرمك اللّه - بما أعلمه وبما قسم لي من تدبيره إذ كان ما يتأدّى إليه ، وإن كان متناهيا ، فغير واجد من نهاية العلم حتى يبلغ إلى نهايته . فتبارك غاية الغايات ونهاية النهايات . يجب أن تعلم - وفقك اللّه بالخير ، وجعلك له أهلا - أن كل ألم غير معروف الأسباب غير موجود الشفاء . فيجب أن نبيّن ما الهم ، وما الغم ، وما سببهما ليكون شفاؤهما ظاهر الوجود إن شاء اللّه تعالى . فالهم تقسّم الأفكار ، وحيرة النفس ، وخمولها ؛ وهو سريع الزوال والانتقال . والغمّ خطر كبير ، وأمر عظيم ، يذهب القوة ويفتر الحرارة [ 54 ب ] ، ويهدم الجسم ، ويكدّر الأوقات . والغم ، وهو ألم نفساني ، يعرض لفقد محبوب أو لفوت مطلوب . ولو فكروا في هذا العالم الدنىّ التاليف « 1 » بما هو فيه ، لعلموا أنها أعراض زائلة وأشباح حائلة ، تتصرف بهم الأيام وتقلبهم الأحكام . فالواجب أن يبدءوا بالغم على نفوسهم ، فهي أولى من الغم على محبوباتهم ومطلوباتهم إذ يعلمون أنهم يستعدمون مما عدموه ويفقدون مما فقدوه . وتقدمت معرفتهم بذلك : انّ نفوسهم وأعراضهم غير باقية ، لأن
هامش
( 1 ) ص : العالم ! التأليف بما هو فيه فيما هو لعلموا . . . ( ! )