عن مزاجها وخالف طبائعها وأضدادها الجوف تقسّمها . وكان من أحسن اللطف أن يجعل ما فضل من مواد الصور المحمودة مواد للصور الرديئة حتى يغتذى كل شخص منها في التغذية بالطعام والتسنم وما يشاكله ، ويصفو جوّ هذا العالم مما ينبث فيه من الأبخرة المفسدة للهواء ، فتصير الحيوانات المكونة الرديئة مثل البلاليع ومغالص البرك حتى تنجذب إليها كل ما أفسدت مجاورته للصور الفاضلة . وهذا يستغرض في خلقة الأعضاء ، فإن الطبيعة جعلت الطحال والمرارة والمثانة للمغتذى تنقية غذاء الكبد والقلب [ 17 ب ] والدماغ . ومما يجرى هذا المجرى المولودون بالزمانات : فإن الطبيعة إنما تفعل في المادة أصلح ما جاء منها ، لأنها تنحو بها ( نحو ) الحكمة دون الحاجة . ولذلك لا تشبه الصناعة ، لأن الصناعة تنقى شيئا تحتاج إليه فتستخرجه من أشياء فتفصل منه ما لا يدخل فيه . فلا يكون سعى الصناعة مطيعا للمادة . ألا ترى أن السرير يستخلص من خشب يفصل عنه . وليس الشئ الطبيعي على هذا لأن الطبيعة تستعمل الشعر في الوقاية والسّمة « 1 » . . . ولما كان لا يصلح أن يكون لحما ولا دما ؛ ولما كان خلق المكفوف من مادة ناقصة ، وذي الستة الأصابع من مادة زائدة - عملت جميع أعضائه على الغاية من الاتقان وأخلّت بجزء واحد منه إمّا بالزيادة عليه أو النقصان منه ، وكان أصلح من أن يشيع ذلك النقص في جميع هؤلاء ويستعمل على جميع الأعضاء إما تقصيرا عن الاعتدال وإمّا زيادة تقصير لجميع أعضائه في الحسن والقوة . وقد توهم جماعة أن الباري - عز ذكره - يفعل كلّ ما يقع في أوهامنا ، وأنّا إن عدلنا عن هذا الاعتقاد انتقصناه . وليس ذلك كذلك ، لأنه - تعالى ذكره - لا يفعل إلّا ما جمع بين القدرة والحكمة . وأما التفرد بالقدرة وحدها دون الحكمة فلا ينسب إليه تعالى . ولذلك يكون جواب من سأل : هل يفعل اللّه شيئا من غير الجهة [ 18 أ ] التي فطره ؟ - الجواب أن كل ما فعله الباري - عز ذكره - فقد
هامش
( 1 ) ط : الوقاية والسر الونيه ( ! ) . د : الوقاية والسمة والونيه ( ! ) .