عن الجسمانيات ، وكانت محركة . للنفوس التي في عالم الكون والفساد بما معها من المعرفة بالعمل ، لان أفضل ما تستفيده النفس في عالم الكون والفساد هو معرفة العمل ، إذا كان العمل في ذاتها . ولما كانت ينابيع الشرور في عالم الكون والفساد والمكسبة للنفوس السيرة ( الشريرة ) هي الجهل والغضب والشهوة ، وكان الجهل يعدل بالنفس عن أعيان الأشياء حتى يظن بالحق أنه باطل ، وبالباطل أنه حق - كانت دراسة ما في الصحف التي قد كشفنا مشقة المقايسة وأهدت إلينا ما احتجنا إليه من الاستبصار مفروغا منه أولى بمن آثر حسن السيرة والحياة من حياته الجسدانية . ولما كان الغضب يطالب الشخص بالزيادة على ما يجب له ، والبخس فيما يجب عليه ، ويحسن لنفسه وضعها في المواضع التي ليست لها ، كانت مداومة الصلاة أولى من أثر الخلاص من سلطان الغضب ، لأن فصول الصلاة بخشوع مع سلطان الغضب يسهّل على الشخص صورة الغضب ، ويعينه على استدراك ما فرط منه . والصلاة تجمع الإقرار بالربوبية وطاعة الفعل في توجه النفس إليه وتركها استعمال الحواسّ [ 11 أ ] وتهيؤها بذلك للروحانيات ، وترك الاشتغال بطاعة الجسد ، والتخلي عن المعاصي والإقرار بالذنب والمسألة في الصفح . ألا ترى إلى الرجل كيف يرفع يديه بالتكبير ، وإنما ذلك استعاذة من شئ خاف ايقاعه به ، فطلب الاستغاثة منه ؟ وكان ملوك اليونانيين إذا أدخلوا الأسرى إلى بلدانهم تقدموا إليهم أن يبسطوا أيديهم بسط التضرّع لترى العامة أنهم على الخوف والذعر من مسيرهم في المدينة .
وأما الركوع فهو كتمكين الرجل من نفسه من حاول ضرب عنقه ، فإنه لا تجد له نفسه أمكن من الركوع والسجود ووضع الوجوه في مراتب الاقدام ومن اعتمد ذلك بمحض غضبه . فلهذا كانت فصول الصلاة أخص الأشياء من الغضب الموهن .
وأما الصوم فيكسر به قوة الشهوة الغالبة ، ويقصّ به من سورتها .
أفلاطون في الاسلام — صفحة 215
مساهمون: عبد الرحمن بدوي
ص٢١٥