غيره فيكون . . . علة المكوّن سواه . والذي قاد أفكارهم إلى هذا الغلط أنهم وحدّوا الباري عز وجل - توحيدا عدديا . وليس يليق به التوحيد العددي . وانما التوحيد العددي لما هو من الأشياء الطبيعية بطريق إضافة الوحدة اليه . . . أكثر المعلولات فتجمع عليها فنجدها أنها في العدد . ثم نطلب علل تلك العلل فنجدها أيضا في العدد . ثم لا تزال ننقص من عدد معلولاته حتى ننتهى اليه وحده لا شريك له ، فنجده واحدا من هذه الجهة ونجدها متكونة عنه . ونجد الحركة تشتمل على كل علة منها ومعلول ، سواء ما يحرّك ولا يتحرك ، ويحيل ولا يستحيل . وكل مستحيل من كونه فإنه تظهر فيه صورة كانت بالقوة مشاكلة لصورة في الفاعل بالفعل . وليس يقبل منفعلا ما يظهر فيهم من الصور تحريك صور فيهم عروض بالفعل ، ولكنها تتحرك بالشوق منها إلى تمامها الممسك لها ، ولا يحجبها عن وصلتها به من غير استحالة تلحقه . وانما هي كنظر العاشق إلى المعشوق ، والجبان إلى الأسد . فان المعشوق ليس فيه صبابة تتحرك بها صبابة العاشق ، ولا في الأسد جبن يتحرك به الجبان .
وإذا تأملت هذا الطريق وجدت الباري - جل جلاله - أزليا واحدا غير مستحيل ، ورأيت منفعلاته واضحة ، ولم يحتج إلى زمان يفصله من معلولاته ، ولا علة تحركه إلى شئ بسرعة . وقد رأى جماعة أن العلة القريبة لجميع ما حدث وتغير واضمحل هي الباري - عز وجل جلاله ، وأن الاعتماد والاختيار غير ممكن لاحد منهم مهما صغر أو كبر . وقد أخطأ هؤلاء القوم في هذا الاعتقاد ، لأنهم جعلوا الباري - عز وجل - علة كثير مما أنكرته العقول وذمّته الشرائع ووقع تلبيس بين الناس . وجعلت طائفة أخرى الفعل له وأن الأنفس من الاشخاص ، ولم يعوا أن الأشياء الطبيعية موهمة وجعلت علة كل شئ طبيعي الباري عز وجل . وهذا أقبح من الاعتقاد الأول ، لأنها أعطت النفس في هذا العالم من الفعل أكثر مما أعطت الباري - جل وعلا .
أفلاطون في الاسلام — صفحة 212
مساهمون: عبد الرحمن بدوي
ص٢١٢