وأما الكهانة فإنه ان كان تميّز الجزء الفكري من الغضبى والشهوانى المذمومين تميّزا صحيحا خالصا ، حقّ ما أنذرته . وان وقعت مخالطة بين الفكر العقلي وبين هذين الفكرين البهيميين ، لم يصحّ انذاره . وكذلك ما يلفى على ألسنة المصروعين .
فان استخدم مع خواص الافعال [ 7 ب ] والترتيب والبخورات والصور ما يليق بقصده من حركات الكواكب ، أصاب ، وإلّا أخطأ .
وأما الوحي فقد ظن كثير من الناس أنه يجرى مجرى الرؤيا والكهانة وأخطئوا في ذلك خطأ فاحشا ، لأن الوحي هو ما قبله العقل الأعلى عمّا هو أعلى منه . ويوجد في النفس تامّا لم تؤلفه قواها ، وتنال منه النفس ما ليس لها استنباطه بذاتها ولا استخراجه بفكرها ، لأنه يجمع إلى ما فيه من صحّة تقدمة المعرفة سداد قصده وتوسط مصلحة ما أجرى عليه . وهو مقصور على شخص واحد في العصر ، ينطق به في اليقظة وبين النوم واليقظة ولا يغادر ما عليه الأمر من تمام مصلحة العالم ، مثل ما حكى عن المرأة التي حاكمت زوجها إلى اسقلبيوس « 1 » فأصابته مشغولا بالتقديس . فانتظرته حتى فرغ من تقديسه . فقال لها : « يا جاهلة بمقدار ما جنته على نفسها ! اعترفي بذنبك لزوجك وأعلميه بجنايتك عليه ، فإن السكران الذي واقعك في ليلة عيد الشمس - وزوجك قائم في الهيكل يدعو لك بطول البقاء ودوام السلامة - قد أحبلك وأنت متوهمة أنك ، لما استترت عن أعين البشر ، لم تبق عين تراعيك ، ولم تعلمي أن في ملكوت السماء ما لا [ 8 أ ] يخفى عدده منها ، وأنت كالمكفوفة بين المبصرين . وستلدين بعد شهرين خلقا مشوّها . »
فولّت المرأة وهي تلطم وجهها ، والزوج حائر . ثم قال للزوج : أنت عقدت نكاح هذه المرأة على غير استقامة ، فحصدت منها أكثر مما زرعته فيها . »
هامش
( 1 ) ط : اسفلينيوس . ع : اسقينيوس .