الكل منه ، ونسوا أن على كل جزء من أجزاء [ 3 ب ] العالم تخرج الجملة تعدّل نسبته وتتوزع « 1 » معه أجزاءه . فإذا تعدوا ذلك ولم يعلموا به وأهملوا إقامة الناموس ، يتحرك عليهم قيّمه لرد ما أفسدوا من نظامه .
وقد كان مارينون ، ملك اليونانيين الذي يذكره أوميرس الشاعر بالثناء وما تهيأ لليونانيين في سلطانه من رفاهية العيش - إذ وهت أموره ومواردها فقالوا له : قد تأملنا أمرك فلم نجد فيه من جهتك ما يدعو إلى ما لحقك وإنما يعلم الحكيم الافراط وسوء النظام الواقعين من الجزء . وأمّا ما خرج من ذلك فليس تبحث عنه الحكمة ، وإنما يوقف عليه من جهة النبوة .
وأشاروا عليه بطلب نبىّ عصره ، وليجمع له مع علمهم ما ينبئ به النبي وقالوا إنه لا يسكن في البلدان العامرة ، وإنما يكون في القواصى المقفرة بين فقراء ذلك العصر . فسألهم ما يجب « 2 » أن يكون عليه رسله إليه ، وما يكون دليلا لهم عليه . فقالوا : اجعل رسلك إليه من لانت سجيته وظهرت قناعته وصدقت لهجته وكان رجوعه إلى الحقّ أحبّ من ظفره بالباطل . فان بين من استولى عليه هذا الوصف وصلة تدلهم عليه . وتقدم إليهم في المسألة عنه وعن مسقط رأسه ومنشئه وسيرته في هذه المواضع ، فإنك تجده زاهدا في التعليم « 3 » راغبا في الصدق مؤثرا [ 4 أ ] للخلوة بعيدا عن « 4 » الحيلة غير حظّي من الملوك : ينسبونه إلى تجاوز حده والخروج عمّا جرى عليه أهل طبقته يتأمل فيه الخوف وتجلل فيه الغفلة . إذا تكلم في الأمور توهمت أنه عالم بأصوله وليس يعرف ما يترقى إليه . وإذا سئل عمّا يصدر عنه ذكر أنه يلقى على لسانه وفي خاطره في اليقظة ، وبين النوم واليقظة ما لم يرد فيه .
هامش
( 1 ) ع ، ط : وادع .
( 2 ) ع : ما ثبته ( ! ) ؛ ط : ثابت ( ! ) .
( 3 ) ط : الشهم ( ! ) راضيا في الصدق .
( 4 ) ع : من .