تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحرير القواعد المنطقية في شرح الرسالة الشمسية — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
عدم افتقار اللزوم إلى وسط أنّه يكفي فيه مجرد تصوّر اللازم والملزوم ، لجواز توقّفه على شيء آخر « 1 » - من حدس أو تجربة أو إحساس أو غير ذلك - فلو اعتبرنا الافتقار إلى الوسط في مفهوم « غير البيّن » لم ينحصر لازم الماهيّة في البيّن وغيره ، لوجود قسم ثالث . وقد يقال « البيّن » على اللازم الذي يلزم من تصوّر ملزومه تصوّره « 2 » ،
هامش
( 1 ) يعني أنّ لازم الماهيّة إذا لم يكن تصوّرهما كافيا في الجزم باللزوم بينهما وجب أن يتوقّف الجزم به على أمر مغاير لتصوّرهما ، ولا يجب أن يكون ذلك الأمر الموقوف عليه هو الوسط ، بل يجوز أن يكون شيئا آخر ، كالحدس وأخواته . وتوضيحه أنّ المحتاج إلى الوسط بالمعنى المذكور يكون قضيّة نظريّة ، والذي يكفي تصوّر طرفيه في الجزم به يكون قضيّة أوليّة ، فكأنّه قال : اللزوم الذي بين الماهيّة ولازمها إمّا بديهي أوّلي وإمّا كسبي نظريّ ؛ فورد أنّه يجوز أن لا يكون نظريّا ولا أوّليا ، بل يكون بديهيّا مغايرا للأوّلى كالحدسي والتجربي والحسّي ، فمن أراد حصر لازم الماهيّة في البيّن وغيره وجب أن لا يعتبر في مفهوم « غير البيّن » الاحتياج إلى الوسط ، بل يكتفي بعدم كون تصوّر اللازم مع تصوّر الملزوم كافيا في الجزم باللزوم ، وحينئذ يظهر الانحصار ويكون غير البيّن منقسما إلى نظريّ يفتقر إلى الوسط وإلى بديهيّ يفتقر إلى أمر آخر سوى تصوّر الطرفين والوسط ( شريف ) .
( 2 ) هذا هو اللازم الذهني المعتبر في الدلالة الالتزامية ، فإنّ لزوم شيء لشيء إمّا أن يكون بحسب الوجود الخارجي على معنى أنّه يمتنع وجود الشيء الثاني في الخارج منفكّا عن الشيء الأوّل ، كالحدوث للجسم ، فإنّ وجود الجسم يمتنع بدون الحدوث ، فالحدوث لازم خارجيّ للجسم ، ويسمّى لزوما خارجيّا ؛ وإمّا أن يكون بحسب الوجود الذهني على معنى أنّه يمتنع حصول الشيء الثاني في الذهن منفكّا عن حصول الشيء الأوّل فيه ، وحاصله أنّه يمتنع إدراك الثاني بدون إدراك الأوّل ويسمّى لزوما ذهنيّا ؛ وإمّا أن يكون بالنظر إلى الماهيّة من حيث هي هي ، على معنى أنّها يمتنع أن توجد بأحد الوجودين منفكّة عن ذلك اللازم ، بل أينما وجدت كانت معه موصوفة به ، ويسمّى هذا اللازم « لازم الماهيّة » . فإن قلت : لازم الماهيّة من حيث هي هي يجب أن يكون لازما ذهنيّا ، لأنّ الماهيّة إذا وجدت في الذهن وجب أن يوجد ذلك اللازم فيه أيضا ، فيكون لازم الماهيّة لازما ذهنيّا قطعا ، فيكون بيّنا بالمعنى الأخصّ ، فلا يجوز انقسامه إلى اللازم البيّن بالمعنى الأعم وغير البيّن . قلت : الواجب في لازم الماهيّة أن يكون بحيث إذا وجدت الماهيّة في الذهن كانت متّصفة به ، ولا يلزم من ذلك أن يكون اللازم مدركا مشعورا به ، فإن ماهيّة المثلّث إذا وجدت في الذهن كانت موصوفة بكون زواياها الثلاث مساوية لقائمتين ، ومع ذلك يمكن أن لا يكون للذهن شعور بمفهوم المساواة المذكورة - فضلا عن الجزم بثبوتها لماهيّة المثلّث ، - فليس كلّ ما كان حاصلا للماهيّة المدركة في الذهن يجب أن يكون مدركا ، فإنّ كون الماهيّة مدركة صفة حاصلة لهاهناك ، مع أنّه لا يجب الشعور به ، وإلّا لزم من إدراك أمر واحد إدراك أمور غير متناهية ، بل يجوز أن يكون لازم الماهيّة بحيث يلزم من تصوّرهما الجزم باللزوم بينهما ، وأن لا يكون كذلك ؛ فصحّ الانقسام إلى البيّن بالمعنى الأعم وغير البيّن ؛ ويجوز أن يكون بحيث يلزم من تصوّر الملزوم - أي الماهيّة - تصوّره فيكون بيّنا بالمعنى الأخصّ ، وأن لا يكون بهذه الحيثيّة ( شريف ) .