وقته ، كبياض الشّعر في الانسان على الكبر ، فليس ذلك الّا للناس ، وهو يعمّهم ، ولكن له وقتا وزمانا لا يكون الّا فيه .
ومنها ما هو عامّ في كلّ حين ، ولكنّ الصورة المختلفة مشتركة فيه ، كالقائمتين في الانسان . فكل انسان ذو قائمتين وفي كل حين ذلك ، ولكن يشارك الانسان في هذه النسبة غيره .
ومنها ما يعمّ الصّورة الواحدة ، ويلزمها في كلّ حين ، ولا يشاركها فيها غيرها ، كالضحك في الانسان ، والصهيل في الخيل . فهذه النّسبة تعمّ الصّورة ، وتختصّ بها من غير شرك ، ويلزمها في كلّ حين . وهي أفضل النّسب منزلة ، وهي الّتي يجرى مجرى الحدّ ويخبر محنته .
( 14 ) فاما محنة الحدّ التي بها يعرف صحّته ان يدور منقلبا على نفسه ، ولذلك يفعل النسبة الخالصة . فقد قيل في حدّ الانسان : هو حيّ ناطق ميّت ، فإذا امتحن الحدّ ، فالإنسان هو حيّ ناطق ميّت ؛ امتحن بالانقلاب ، فقيل : كل حيّ ناطق ميّت انسان ، قلب ذلك فقيل : كل انسان حيّ ناطق ميت ، لاستقام .
ولو كان فيه خطاء لم يوجد انقلابه مستقيما . فانّه لو قيل : كلّ حي ناطق ميت كاتب انسان ، كان ذلك حقا . ولو قلب ذلك ، فقيل : [ كل انسان حي ناطق ميت كاتب ، كان ذلك باطلا ؛ ولو قيل : كل فيلسوف انسان ، كان ذلك حقا . ولو قلب ذلك فقيل : ] كل انسان فيلسوف ، كان ذلك باطلا .
والنسبة الخالصة تنقلب كما ينقلب الحدّ الصحيح ، فيقال : كلّ انسان ضحّاك ، وكلّ ضحّاك انسان . وكل فرس صهّال ، وكلّ صهّال فرس .
( 15 ) فاما نسبة النسب الثلث الاخر ، فإنه لا يستقيم لشئ منها انقلاب .
فلو قيل : كل انسان كاتب ، أو قيل : كل ابيض اللّحية انسان ، لم يستطع ان يقال : كل انسان بابيض اللحية أو كاتب . وان قيل : كل انسان ذو رجلين ، لم يستطع ان يقال :
كل ذي رجلين انسان .
والنسبة الخالصة ينقلب كما قد وصفنا . وهذه النّسبة الثّانية التي تجرى مجرى الحد .
المنطق ( ويليه حدود المنطق لابن بهريز ) — صفحة 7
مساهمون: ابن المقفع
ص٧