قال : فهذا مما ليس النّاس مستوين في العلم به كاستوائهم في العلم بحرارة النار ورطوبة الماء وسائر ما أشبه ذلك من الأمور الواضحة البينة .
قال : فإذا سأل البينة 155 على ما قال ، جاء بالشاة والبقرة والظّبى والإبل وسائر ذوات القرون ، وكانت شهوده خواص ، ولم يكن لقوله على ذلك بدفع . ونحن مسمون هذا الضرب « الملتقط » ، لأنه علم يلتقط من أشياء صغار خواصّ ، حتى يصير كالعلم .
قال : وليس كما ذكرنا من الأمور الجسام الظاهرة التي إذا ذكرها الذاكر ، لم ينكرها أحد ولم يسأل عليها بينة .
( 120 ) وقد شغب شاغبون عندما ذكر أرسطاطاليس من أن البيّنات لا يكون الا بالصنائع ، فقالوا ان كل شئ لا يعرف الا بصنيعة ، فلا للصنيعة بعينها 156 من صنيعة يعرف بها تلك من أخرى . وذلك ما لا ينقضى ، ولا درك لما لا ينقضى .
وكان مما ردّ به أرسطاطاليس قولهم هذا الذي أرادوا به تلبيس أصول العلم ، ان قال : كما انّ الدخان إذا نظر اليه ، استدل به على النار ، ولم يحتج الدخان إلى أن يستدل عليه بغيره ؛ فكذلك للأمور أصول ظاهرة ، ويستدلّ بها على ما خفى منها ، ولا يحتاج إلى الاستدلال على تلك الأصول بغير أنفسها .
قال : وانما الصنيعة الاستدلال بالظاهر على ما خفى . وكان فيما جرى من كتاب أرسطاطاليس في وصف المقدمة والصنيعة ان ذكر انه لا فصل في معاني الكلام من ايجاب الشئ في كل شئ أو ايجابه لكل شئ ، وذلك كقول القائل :
البياض لكل ثلج ، وقوله : كلّ ثلج ابيض ، فكلا القولين أوجب البياض لكلّ الثلج .
( 121 ) ولما فرغ من القول في تحديد المقدمة والصنيعة ، اخذ في الاخبار عن القضايا الّتي هي المقدمات كيف ينقلب ، وأيها التي يصح لها الانقلاب العامّ ، وايّها يصحّ لها الانقلاب الخاصّ ، وأيها الّتي لا يصحّ لها انقلاب عامّ ولا خاصّ .
المنطق ( ويليه حدود المنطق لابن بهريز ) — صفحة 67
مساهمون: ابن المقفع
ص٦٧