تبيينه إلى الزيادة في الشهود التي قدّمت له ، ولا إلى تحريك شئ منها .
والصنعة المحتاجة ان يكون الشئ الذي يظهر من بين الأشياء المقدمة محتاجا في تبيينه إلى أن يزاد في الأشياء الّتي قدّمت له شئ أو أشياء ، حتى تتبين صحّته .
واما قوله : ان الصنعة ان يقدّم أشياء يظهر من تبينها شئ ، فإنما قال : تقدم أشياء ، ولم يقل : يقدم شئ ، لما قد ذكرنا من بعد القضية الواحدة من أن يخبر عن أكثر من نفسها . وانه أراد ان يفرّق بين الصنعة الصحيحة الصادقة وبين المنكسر الكاذب من صنايع الكاذبين المسمين أنفسهم بالايجاب ، الذين لا يقدّمون في الصنعة الا مقدمة واحدة . كقوله : فلان متزيّن ، فهو فاجر . فلان يغيّب بالليل فهو مغور . اتى فلان الفقير فلان الغنى ، فلان يستسلفه . وانما يفعلون ذلك طلبا لتشبيه الباطل على الضعفاء ، وفرارا من تقديم المقدمات بالعوام العظام ، لما يكرهون من ظهور كذبهم . فانّهم لو قالوا : فلان متزيّن ، وكل متزيّن فاجر ؛ إذا ظهر كذبهم ، من الغيب 150 . وكذلك 151 لو قال فلان يغيب بالليل ، وكل غائب بالليل مغور . [ ولو ] قالوا :
اتى فلان الفقير فلان الغنى ، وكل فقير اتى [ فلان الغنىّ ] ، فإنما يأتيه ليستسلفه فلان ، ففلان يستسلف فلانا ؛ لكان كل ذلك من قولهم منكشف الكذب ظاهر الانكسار .
فقد تزيّن غير الفاجر ، ويغيّب بالليل غير المغور ، ويأتي الفقير الغنى لغير طلب السلف .
واما قوله : يظهر من بينها شئ غيرها ، فانّما أراد ان يفرق بذلك بين الصنعة النافعة الّتي يفيد صاحبها علما ، والصنعة غير النافعة التي سمّتها الفيلسوفيون دلالوس 152 . وهي التي يكون نتيجتها بعض ما تقدّم فيها ، كقول القائل : إذا كان النهار فالشمس طالعة ، وإذا كانت الشمس طالعة فهو النهار . نتيجة هاتين المقدمتين انه :
إذا كان النهار فهو النهار . وانما تقدّم المقدمات ليستدل بها على غيرها . فإذا كانت لا تدلّ الا على أنفسها ، فليس صاحبها بمستفيد علما .
واما قوله : ان الصنعة المكتفية ان تقدم أشياء يظهر من بينها شئ يكون
المنطق ( ويليه حدود المنطق لابن بهريز ) — صفحة 65
مساهمون: ابن المقفع
ص٦٥