ثم إن شاء القائل قال : فلان انسان ، وان شاء قال : فلان حيّ ، وان شاء قال : فلان ذو رجلين . فإذا أراد هذا كله في كلمة واحدة ، فيقول : فلان انسان حيّ ذو رجلين ، كان في ذلك فاحش من القول والهذر . فإنه كان مكتفيا بقوله : فلان انسان ، من أن يخبر انّه حيّ وانه ذو رجلين . لانّه ليس من النّاس من ليس حيّا ذا رجلين .
قال : واما الكلام الذي يستقيم مجموعا ولا يستقيم مفرّقا ، فكالرجل الذي يكون حكيما في صناعته جاهلا بما سوى ذلك . فان قال قائل : فلان ملّاح حكيم ، كان ذلك جائزا . ولو قال : فلان ملاح وحكيم ، كان ذلك كاذبا . وانما يمكن الكلام من أن يتكلم به مجموعا ، والمجموع من أن يتكلّم به مفرّقا . فإذا كانت من الأشياء التي يوصف بها الاسم لازمة غير عارضة ، فان الانسان لو وصف بأنه حيّ ناطق ميّت ، كان ذلك مما هو لازم له . ولو انّه وصف بأنّه ابيض كاتب فارس كان ذلك عرضا غير لازم لكل الناس . ولذلك لا يحسن ان يقال : الانسان ابيض كاتب ، فارس . وان كان من النّاس من هو كذلك .
قال : وإذا وصف الاسم بالأمور اللازمة ، فليبيّن الكلام على تقديم العامّ وتأخير الخاصّ ، فليقل : حيّ ناطق . فانّه ان قدم الخاصّ قبل العامّ ، فقيل : ناطق حيّ ، لم يكن ذلك حسنا ، لان ذكر الحياة بعد النطق فضل 93 . فانّه لا يخطر على بال أحد ان كان ناطقا غير حيّ ، وقد يكون الحىّ غير ناطق . فلذلك يحسن ان يقال حيّ ، ثم يبان عنه ، فيقال : ناطق .
( 98 ) قال : ثم حكمنا ان من الصفات التي وصفت بها الأشياء ما يكون ثابتا ، ومنها ما يكون متناقضا ، ومنها ما يكون غير مفصح به . فاما المفصح بتناقضه ، فكقول القائل : الخفاش كالطّير ، وليس كالطّير ، والخصىّ رجل وغير رجل .
واما المتناقض الذي هو غير المفصح بتناقضه ، فكقول القائل 94 : الانسان اخرس .
فإذا كان حدّ الانسان انه حيّ ناطق ميّت ، فكان هذا يصفه بالأخرس ، قال : فإنما الناطق اخرس ، وهذا قول متناقض .
قال : فلو ان المتناقض المفصح 95 بتناقضه الذي يتكلم به مجموعا ، تكلّم به مفرّقا ، لم يكن ذلك جائزا ولا مستقيما . وذلك أنه لا يجوز ان يقال للخصىّ :
رجل وغير رجل . [ وان كان مفرّقا تكلّم به مجموعا ، ] 96 كان هذا جائزا ، وكان
المنطق ( ويليه حدود المنطق لابن بهريز ) — صفحة 53
مساهمون: ابن المقفع
ص٥٣