فإذا ما عالج ابن سينا بعد ذلك الموضوعات الموسيقية وجدناه دقيق العبارة ، عميق البحث ، لم يعتمد في وضع أصول الموسيقى إلا على أساس الرياضيات والعلوم الطبيعية فحسب .
استمع إليه في تعريفه للموسيقى حيث يقول « 1 » .
« فالموسيقى علم رياضى يبحث فيه عن أحوال النغم من حيث تأتلف وتتنافر وأحوال الأزمنة المتخللة بينها ليعلم كيف يؤلف اللحن . وقد دل حد الموسيقى على أنه يشتمل على بحثين أحدهما البحث عن أحوال النغم أنفسها وهذا القسم يختص باسم علم الإيقاع .
ولكل واحد منهما مبادئ من علوم أخرى ومن تلك المبادئ ما هو عددي ومنها ما هو طبيعي ويوشك أن يقع فيه ما هو هندسي في قليل من الأحوال » .
ولقد اجتمع رأى فلاسفة اليونان الأقدمين في تعريفهم للمتفق والمتنافر من الأصوات على أن « المتفق في الموسيقى ما ترتاح إليه النفس » . هكذا قال أرسطو وفيثاغورس وأرستكسينوس وغيرهم ؛ وتبعهم علماء العرب الذين تصدوا للكفاية في هذا الموضوع حتى لنرى عبد المؤمن الأرموي « 2 » وهو من أكبر علماء الموسيقى العربية وقد عاش في نهاية الدولة العباسية لم يكتف بتعريف ابن سينا للنغمة بأنها « صوت لابث على حدة وثقل من الحدة والثقل زمانا » ، لم ير عبد المؤمن في هذا التعريف كفايته فأضاف اليه « النغمة صوت لابث زمانا ما على حد ما من الحدة والثقل مجنون إليه بالطبع » « 3 » .
والحق أن ابن سينا لم يغب عن باله هذا المعنى الذي أضافه عبد المؤمن فقد أوسع الكلام عن ذلك في باب المتفق والمتنافر من الأصوات حيث يستوفى الموضوع في بحث أدق وأوسع . بل إنه لا يكتفى بما يقرره في ذلك علم الصوت من أن المتفق هو ما ترتاح النفس لسماعه ، الأمر الذي وقف عنده الفلاسفة وعلماء النفس الأقدمين ، بل والذي
هامش
( 1 ) ص 12 من هذا الكتاب .
( 2 ) انظرDEnlanger:LaMusiqueArabeIIISafiyu - dDin:IAs - sarafiyyahIIKitabAl - adwar .1
( 3 ) كتاب الأدوار لعبد المؤمن الأرموي مخطوطة برلين ص 119Schumann؛Akustek . S89 .