من علماء القرن التاسع عشر ومن أكبر مفكريه المبرزين الذين ضمنوا كتاباتهم رأيا خاصا في ذلك وهم دارون العالم الإنجليزى ( 1809 - 1882 ) وسبنسر الفيلسوف الإنجليزى ( 1820 - 1903 ) وبيشر الاقتصادي الألماني ( 1847 - 1930 ) » .
ثم يمضى الأستاذ زاكس في مناقشة آراء هؤلاء العلماء الثلاثة على الوجه الآتي :
« يقول دارون بادماج الموسيقى في التطور العام للحياة فيعتبرها وسيلة من وسائل ترقية النوع وتجميلا في الذكور لترغيب الإناث . بينما يرى سبنسر « 1 » في الموسيقى لغة مدنية ذات تأثير خاص . ويرجعها بيشر إلى الإيقاع المنتظم والتعاون في أعمال الحركات الجسمانية » .
ثم ينتهى زاكس من تلك المناقشة فيقول « ربما كان سبنسر أقرب هؤلاء جميعا إلى الصواب وأدناهم إلى الحقيقة في تقريره أن الموسيقى في بدايتها لغة تعبيرية ؛ إنما يجب ألا تكون اللغة التي يقصد إليها لغة بالمعنى المألوف التي تقوم بالتخاطب المعتاد بين الناس بل هي أصوات تشبه الأصوات الحيوانية وقد حملتها الرغبة في التفاهم في الحياة والتخاطب والسمر إلى التدرج في مدارج التطور حتى بلغت ما نسميه باللغات » .
ثم استمع بعد ذلك إلى رأى ابن سينا في نشأة الموسيقى وهو ما كتبه قبل هؤلاء العلماء بحوالي ألف عام تجد أنه سبقهم إلى هذه النظرية الخطيرة وهي أن الموسيقى في بدايتها لغة تفاهم بين الحيوانات بعضها وبعض وبين الناس . وفي ذلك يقول « 2 » :
« وليس يتمكن زوجان من الحيوان مقاربة على الدوم فقد تفرق بينهما دواعي الحاجات إلى اختلاف الحركات ثم يحوجهما الغرض المذكور إلى التقارب بعد التباعد وإلى الاجتماع بعد الانفصال - آتت الحيوان آلة بها يتداعى إذا افترقت ويستدل منهما على قرنه إذا نأى عنه مكانه . ثم جعل بعد ذلك دليلا للحيوان في أحوال أخرى مما تدعو إلى اجتماع على معونة أو تنفير عن جنسه حتى صار الفرخ أو الجرو أو الطفل من البهائم إذا استعمل تلك الآلة استعاد الغائب من أعوانه مستغيثا أو هرب الغافل من أشباهه منذرا . . . الخ » .
هامش
( 1 )EbendaS .462ff .- انظر نشأة الموسيقى .Stumpf:DieAnfangederMusik
( 2 ) ص 5 ، 6 من هذا الكتاب .