فيه عمن تقدمه ، ذلك هو الموسيقار الفيلسوف ابن سينا الذي لم يكن امتياز مؤلفاته الموسيقية مقصورا على الدقة في التعبير ودعم أصولها على أساس من العلوم الرياضية والطبيعية فحسب بل امتاز كذلك بناحية انفرد بالبحث فيها عن كل معاصريه وعمن سبقه من العرب ومؤلفي الشرق ، وتلك هي الناحية الخاصة بالموسيقى العربية والهارمونى أو على الأدق في التعبير الموسيقى وتوافق الأصوات وتعددها . وقد اتخذ في كتابته عن تعدد التصويت هذا عنوانا أدمجه فيه أسماه « محاسن اللحن » وجعل منه صنفين :
الأول - ما يخص محاسن اللحن في سير النغم مثل الترعيد والإبدال والتضعيف والتوصيل الثاني - ما يخص النغمات التي تصاحب اللحن الأصلي . وقد فرق في ذلك بين أربعة أنواع التمزيج - التشقيق - التركيب - التضعيف .
ويتأدى قوله في هذا الباب إلى أنه يمكن المزج بين صوتين بأدائهما معا في انسجام توافقى ، وأحسن ما ينتهى إليه في ذلك الجمع بين الأساس وجوابه وخامسته أو رابعته .
وهذا النوع من تعدد التصويت وإن كان التاريخ قد أثبت وجوده في مدنيات الممالك القديمة في موسيقى الآلات من الناحية العملية كما قدمنا فإنه لم يلتفت إليه أحد منها في مصنفاته النظرية ولم يتعرض عالم من علمائها إلى بحث هذا الموضوع بحثا علميا .
وتأخر ظهور هذا البحث عن تعدد التصويت الموسيقى في أوروبا إلى أن تحدث عنه علماء العصور الوسطى بعد أن لفت نظرهم ما تستعمله الكنيسة في التراتيل من اختلاف الأصوات في الأداء . فظهر « هو كبالد » الإيطالى الملقب بوالد الهارمونى في آخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر يحدثنا في مؤلفاته النظرية عن تعدد الأصوات وإمكان امتزاج نغمة الأساس بالرابعة والخامسة والجواب ، وهو ما كان مستعملا من غير تعمد في الموسيقى العملية وأغانى الجماعات من قبل .
ولقد خلف هو كبالد العالم الموسيقى « جيدو الأريزى » فنهج منهج سلفه وتلقت أوروبا مؤلفات هذين العالمين ، ومؤلفات فرنكو الكولونى وفرنكو الباريسى بعدهما ، بالترحيب والإقبال وبحثوا فيها وزادوا عليها حتى تطوروا بتعدد الأصوات وصار علما قائما بذاته هو « علم الهارمونى » الذي هو جوهر الفرق بين الموسيقى العربية والموسيقى الغربية .
الشفاء ( الرياضيات ) — صفحة تصدير 20
مساهمون: أبو علي سينا
صتصدير ٢٠