« التحرير » عن « الشرح » ، فلا يقصد « المحرر » إلى إيراد النص ثم التعليق عليه بتفسير أو زيادة أو بيان إشكال ، بل يعمد إلى التصرف في النص نفسه بما يراه هو واجبا لإصلاحه وإكماله . فالتحرير إذن تقويم يرمى صاحبه إلى إعادة كتابة النص المحرر ، ووضعه في صورة أتم ربما تستلزم الحذف والزيادة وتغيير الترتيب . من هذه التحريرات التي وضعت لكتاب « الأصول » ، ووصلت إلينا مخطوطاتها تحرير لنصير الدين الطوسي ( توفى 1274 م ) ، وآخر لمحيى الدين محمد بن أبي الشكر المغربي ( توفى حوالي 1280 م ) ، وثالث لشمس الدين محمد بن أشرف السمرقندي ( أزدهر حوالي 1276 م ) . ولا شك أن أهم هذه التحريرات وأبعدها أثرا هو التحرير الذي وضعه الطوسي بعنوان « تحرير أصول الهندسة والحساب » ، وفي مكتبات العالم نسخ كثيرة منه ذكر معظمها بروكلمن في كتابه « تاريخ الأدب العربي » .
والطوسي حين أعد « تحريره » كان أمامه نسخة الحجاج ( الأولى أو الثانية ؟ ) ، ونسخة ثابت بن قرة أي إصلاحه لترجمة إسحق بن حنين . وقد راعى الطوسي عند ترقيمه أشكال الكتاب أن ينص على أرقامها في نسخة الحجاج وفي نسخة ثابت ، كما أطلعنا على عدد الأشكال في كل من النسختين . ولأن لهذه المعلومات فائدة خاصة عند دراسة مصادر هندسة « الشفاء » ، فانا نورد فيما يلي ما يقوله الطوسي في مقدمة تحريره شارحا غرضه ومنهجه في تصنيف الكتاب . ونحن ننقل عن نسختين محفوظتين بالمتحف البريطاني : الأولى رقمها : إضافى 387 و 23 ، وقد نسخت سنة 656 هجرية ، أي قبل وفاة المؤلف ، والثانية رقمها : إضافى 952 و 21 ، وقد نسخت سنة 1048 هجرية . ويقول الطوسي :
« فلما فرغت من تحرير المجسطى رأيت أن أحرر كتاب أصول الهندسة والحساب المنسوب إلى أوقليدس الصوري بإيجاز غير مخل ، واستقصى في تثبيت مقاصده استقصاء غير ممل ، وأضيف إليه ما يليق به مما استفدته من كتب أهل هذا العلم واستنبطته بقريحتى ، وأفرز ما يوجد من أصل الكتاب في نسختي الحجاج وثابت عن المزيد عليه ، بالإشارة إلى ذلك أو باختلاف ألوان الأشكال وأرقامها ، ففعلت ذلك متوكلا على اللّه إنه حسبي وعليه ثقتي . أقول الكتاب يشتمل على خمس عشرة مقالة مع الملحقتين بآخره ، وهي أربعمائة وثمانية وستون شكلا في نسخة الحجاج ، وبزيادة عشرة أشكال في نسخة ثابت ، وفي بعض المواضع في الترتيب أيضا بينهما اختلاف . وأنا رقمت عدد أشكال المقالات بالحمرة لثابت وبالسواد للحجاج إذا كان مخالفا له » .
الشفاء ( الرياضيات ) — صفحة 8
مساهمون: أبو علي سينا
ص٨