لم يكن الاهتمام بكتاب « الأصول » قاصرا في العصر الإسلامي على العلماء الرياضيين ، بل كان للفلاسفة الإسلاميين أيضا عناية به غير قليلة . فالكندى مثلا ، كما يخبرنا ابن النديم ، دون « رسالة في أغراض كتاب أقليدس » وأخرى في « إصلاح كتاب أقليدس » ، وثالثة في « اصلاح المقالة الرابعة عشرة والخامسة عشرة من كتاب أقليدس » . وقد وصلت إلينا نسخ مخطوطة من الرسالة الأولى . وللفارابي ، كما ينبئنا ابن أبي أصبعية ، « كلام في شرح المستغلق من مصادرة المقالة الأولى والخامسة من أقليدس » . ويوجد في طهران نسخة مخطوطة لهذا الشرح ، كما يوجد في ترجمة عبرية . وكما نعلم أيضا أن بعض علماء الكلام ، مثل فخر الدين الرازي ، كان له اشتغال بكتاب أقليدس .
ولكن عناية ابن سينا بالكتاب فاقت بكثير عناية غيره من فلاسفة الإسلام ومتكلميه . فالجزء الهندسى من رياضيات « الشفاء » يحتوى على مضمون المقالات الأقليدية الثلاثة عشر بتمامها ، بالإضافة إلى مضمون المقالتين الملحقتين بها . ورغم أن هندسة « الشفاء » قد وصفت بأنها اختصار ، فان لفظ « الاختصار » هنا إنما يشير إلى اختصار براهين الكتاب وعباراته لا إلى مقالاته أو أشكاله . وقد سبق أن أوردنا عبارة ابن سينا التي يقول فيها إنه إلى جانب اختصار الكتاب قد عمد إلى حل شبهه .
وهذا المسلك الذي سلكه ابن سينا في التصنيف هو إلى « التحرير » ( كما وصفناه ) أقرب منه إلى الاختصار .
وقد كان من نتائج هذا المنهج الذي اتبعه ابن سينا في إعداد هندسة « الشفاء » أن صار من العسير علينا أن نحدد بدرجة كافية من الدقة واليقين المصادر التي اعتمد عليها . فاختلاف العبارة مثلا بين نص ابن سينا وبين نص « الأصول » في إحدى النسخ السابقة المعروفة لنا لا يدل على أن ابن سينا لم يستخدم هذه النسخة . ولم نحصل على فائدة إيجابية من مقارنة عدد أشكال المقالات في هندسة « الشفاء » بما يناظره في نسختي الحجاج وثابت . ويتضح من مقارنة الجدول الآتي بالجدول السابق أن عدد الأشكال السينوية لا يتفق في جميع المقالات مع عددها في نسخة الحجاج ( برواية الطوسي ) أو نسخة ثابت . وبالطبع لا يدل هذا الخلاف على أن ابن سينا لم يستخدم هاتين النسختين .
الشفاء ( الرياضيات ) — صفحة 11
مساهمون: أبو علي سينا
ص١١