وينبغي أن تعلم أنه ليس كل سؤال هو مقدمة جدلية ، مثل السؤال عما هو الإنسان ، أو السؤال على كم نحو يقال الشئ ، وإنما السؤال الجدلي الذي للمجيب فيه أن يجيب بنعم أولا ، مثل قولنا : هل العالم محدث ، أم لا ، لا ما ليس للمجيب فيه إلا جواب واحد ، مثل جوابه عما هو الإنسان بأنه الحي الناطق ، أو على كم نحو يقال الخير ، فإنه يقال على الجميل والنافع واللذيذ . وإنما يصير هذا النحو من السؤال جدليا إذا أتى السائل به من جهة ما للمجيب أن يجيب فيه بأحد النقيضين ، مثل أن يقول : هل الإنسان هو الحي الناطق أم لا ، وهل الخير يقال على الكذا والكذا ، أم ليس يقال عليهما ؟ وإذا لم يسلم له المجيب ذلك ، ساغ له هنا أن يسئله : على كم نحو يقال الخير عنده ، أو ما حد الإنسان عنده « 1 » ؟
هامش
( 1 ) أرسطو ، 8 ، 2 ، 158 ا 14 - 24 :
ت . ع . 318 ب 18 - 319 ا 5 ، طبعة بدوي ، ص 702 - 703 : « وليس يرون أن كل ما كان كليا فهو مقدمة جدلية . مثال ذلك قولنا : ما هو الإنسان ؟ أو على كم نحو يقال الخير ؟ فإن المقدمة الجدلية هي التي للمجيب أن يجيب عنها بنعم أولا . فأما الأشياء التي تقدم ذكرها فليس الأمر فيها كذلك . ولذلك صارت أمثال هذه المسائل غير جدلية . اللهم إلا أن يكون السائل يأتي بها إما عند تحديده أو تقسيمه . مثال ذلك : أترى الخير كذا يقال ، أم كذا ؟ وذلك أن الجواب عن أمثال هذه المسائل يسهل ، إذ لا بد في الجواب عنها إما بنعم ، أو بلا . ولذلك قد يجب أن يكون ما تأتى به من أمثال هذه المقدمات على هذه السبيل ، ومع ذلك فلعله من الإنصاف أن يطالب المجيب بأن يخبر بكم نحو يقال الخير ، متى كنت أنت إذا قسمت وأتيت بالحجة لم تساعد ، ولم يسلم لك » . ابن سينا ، الجدل ، ص 315 - 316 : « وليس كل سؤال كلى ، كما علمت ، جدليا . فإنه ليس السؤال عن : ما هو ، وعن : أي الأشياء هو ، جدليا . اللهم إلا أن يكون على أحد وجهين :
إما لاستكشاف لفظة يستعملها السائل - وأكثر هذا هو للمجيب ، وإما على سبيل المطالبة بأحد طرفي القيض ، بأن يقلب السؤال عن الماهية إلى الهلية ، وتكون حقيقة السؤال تشير إلى الماهية ، وذلك أن يجعل التحديد في قسمة طرفي النقيض ، كمن يسأل فيقول : هل تقول إن ماهية الخير هو أنه الذي يتشوقه الكل ، أو لا تقول ؟ فإن هذا يستدرج الماهية لا غير ، وربما حمد ، وربما لم يحمد . . . » .