والسبب في صعوبة تسلم الحد كثرة ما يحتاج السائل أن يسلم له المجيب من وجود الشرائط المشترطة فيه ، مثل أنه موجود للمحدود ، ومحمول عليه من طريق ما هو ، وسائر الشروط المتقدمة للحد ، فيصير ذلك سببا إلى أن يعثر المجيب منها على معاندات كثيرة . ولذلك كان إبطاله أسهل ، بضد إثباته .
وهذا بعينه هو السبب في عسر وجود الحجج للأمور المتأخرة . وذلك أنها لما كانت تتبين بمقدمات كثيرة ، عسر تسلمها على السائل ، ولم يعدم المجيب فيها ما يسهل عناده « 1 » .
وأما السبب في صعوبة القياسات للأمور القريبة من المبدأ فهو قلة المقدمات المستعملة فيها . فلذلك لا يتهيأ للسائل أن يستعمل فيها من الإخفاء ما يتهيأ له في الأمور التي بعدت عن الأوائل « 2 » .
هامش
( 1 ) ابن سينا ، الجدل ، ص 318 : « وإما لأنها أمور متأخرة بعيدة عن المبادي . وهذه فإنما يصعب على الجدل إصابة القياس عليها لأمور ثلاثة : أحدها : كثرة المذاهب الآخذة من المبادي إليها ؛ والثاني : طولها ؛ والثالث : اختلاط بعضها ببعض ، فيضل الجدلي في تخليصه كلا عن صاحبه ، وإفراده عمدة لنفسه ، إلى أن يتخلص له واحد من جملتها عن الآخر تخلصا لا يضل فيه . وهذا صعب » .
( 2 ) أرسطو ، 8 ، 3 ، 158 أ 31 - 158 ب 8 : ت . ع . 319 أ 9 - 21 ، طبعة بدوي ، ص 803 - 804 : « وقد يتهيأ في أصول بأعيانها أن يؤتى بحجج صعبة وأن يناقض . والأشياء التي هذه حالها هي الأشياء المتقدمة في الطبيعة والأشياء المتأخرة . وذلك أن المتقدمة محتاجة إلى التحديد ، فأما المتأخرة فإنها تنتج من أشياء كثيرة لمن أراد أن يثبت من الأقاويل على ترتيب واتصال . فإن الأمر إن لم يكن كذلك ظهر أن الحجج مرائية .
وذلك أنه لا يتهيأ لمن لم يبتدئ من المبادي الذاتية ، وينتهى منها على طريق التنتيج إلى الأواخر أن يبرهن على شئ من الأشياء . فأما التحديد فان المجيب لا يطلقه ولا يأذن فيه . ولا إن فعل السائل ذلك أيضا نصتوا له وقبلوه . وإذا لم يظهر من الأمر الموضوع ما هو ، لم يسهل أن يؤتى بالحجج فيه . وأكثر ما يعرض ذلك في الأوائل خاصة ، وذلك أن الأشياء الأواخر إنما تتبين بها . وأما تلك ، فغير ممكن أن تتبين بغيرها ، بل الضرورة تدعو إلى أن يعلم كل واحد منها بالتحديد .
ومما يصعب اختياره الأشياء القريبة من المبدأ وذلك أنه لا يتهيأ أن نجد في تبيينها أقاويل كثيرة ، لقلة الأشياء التي بينها وبين المبدأ التي بها ضرورة يتبين ما بعدها » .
ابن سينا ، الجدل ، ص 317 : « والأمور التي يصعب على الجدلي مصادفة القياس عليها ، إما لأنها أمور هي أحوال المبادي . وإنما نتمكن من معرفة أحوالها إذا عرفت حدودها ، وأنها إذا حدت ، لاح من تحديد حدودها أحوالها وأعراضها ، كما علمت في مواضع أخر . فأمكن حينئذ أن يستعمل القياس على أحوالها ، أعنى بعد تحديدها ، وتحليل حدها ، فتحتاج أول شئ أن تتسلم حدودها .
وتسلم الحدود صعب » .