ومنها : أن يؤخر السؤال عن المقدمات النافعة في مطلوبه ، إذ المجيب من شأنه أن يسرع بالمناكرة إلى ما يسئل عنه السائل . إذ كان من المعلوم أن الذي يقدم في السؤال هو الأهم عنده ، اللهم إلا في صنفين من المتخاطبين :
أحدهما : الصنف الذي اعترتهم بلادة وسوء مزاج بارد لعدم الارتياض وإهمالهم أنفسهم .
والصنف الثاني : الحسنو الظن بأنفسهم الأذكياء .
أما الصنف الأول فإنما كان الأنفع معه للسائل أن يبادر إليه بالنافع ، لأنه إذا طالت [ 1 ] مناظرته ، حميت قريحته واستحرت ، فيشعر بما لم يكن يشعر قبل .
وأما الحسن الظن بنفسه وباقتداره على دفع المناقضة ، فإنه يتهاون في أول الأمر ، ويسلم ما يسئل عنه . فإذا كان في آخر الأمر ويشعر باللازم ، تنكر ، بضد ما يعترى المستريب بنفسه ، الغير الواثق [ 2 ] بمناقضة [ 3 ] خصمه « 1 » .
هامش
( 1 ) أرسطو ، 8 ، 1 ، 156 ب 30 - 157 ا 1 :
ت . ع . 316 ب 20 - 317 أ 9 ، طبعة بدوي ، ص 696 - 697 : « وقد ينبغي أيضا أن يؤخذ السؤال عن الشئ الذي يريد أخذه خاصة ، إذ كان من عادتهم أن تشتد مقاومتهم ومعاندتهم للأشياء التي يتقدم السؤال عنها ، من قبل أن أكثر من يسئل انما يقدم ذكره الأشياء التي هو شديد العناية بها . وقد ينبغي في محاورة بعض الناس أن يجعل أمثال هذه الأشياء من أول ما يتكلف إحضاره .
وذلك أن المعتاصين من الناس يوافقون خاصة على الأشياء المتقدمة ( متى لم يكن الأمر اللازم عنها - مع ذكرها - في غاية الظهور والبيان ) . غير أنهم في آخر الأمر يعتاصون . وكذلك يجرى أمر القوم الذين يظنون أنهم يسرعون في الجواب - إن كنا في حال الجواب . وذلك أنهم إذا وضعوا أكثر الأشياء التي يقع السؤال عنها ، اعتاصوا فيما يؤتى به أخيرا من قبل أنه لا يلزم عند هم من الأشياء الموضوعة .
وإما يضعون ما يضعون اعتمادا على اقتدارهم وظنا بأنه لا يتهيأ ( أن ) تثبت حجة عليهم » .
( 1 ) - طالت : طالب ف
( 2 ) - الواثق : واثق ف
( 3 ) بمناقضة : بمقاومة ل