سلمنا أن الشجاعة والفكر في قابل واحد ، وزمان واحد ، وموضع واحد ، فقد يلحق هذا التوبيخ والتبكيت من قبل أنهما لم يقالا بالقياس إلى شئ واحد بعينه . فإنه قد يمكن إنسان [ 1 ] ما أن تكون له جرأة نحو الفجور ، وفكر صحيح نحو الأمور الفاعلة للصحة .
ولا هذا أيضا يكتفى به من أن يسلم من التوبيخ ، أعنى بأن يؤخذ الجزءان بالقياس إلى شئ واحد بعينه ، دون أن يكون ذلك الشئ هو غاية المحدود . مثال ذلك : أن من حد الشجاعة بأنها جرأة مع فكر صحيح نحو شئ واحد بعينه مثل الأمور الطبية لم يحد الشجاعة ، إلا أن يقول إنها جرأة مع فكر صحيح نحو الحروب التي هي غاية الشجاعة .
وقد يخطئ في جهة القول الذين يأتون في الحد بأنه الذي هو كذا مع كذا ، ويعنون مع كذا السبب . وإنما كان يجب أن يقولوا في حده إنه الذي هو كذا من أجل كذا . مثال ذلك من حد الغيظ : بأنه غم مع توهم . وذلك أن التوهم هو سبب الغم ، لا أنه مع الغم « 1 » .
هامش
( 1 ) أرسطو ، 6 ، 13 ، 150 ب 27 - 151 أ 19 :
ت . ع . 309 أ 6 وما بعده ، طبعة بدوي ، ص 668 - 669 : « وننظر أيضا إن كان قد وصف هذا مع هذا ، فينبغي أن يقول أولا إن قوله هذا مع هذا هو قوله : إما هذا وهذا ، أو هذا من هذه . لأن من قال : عسل مع ماء ، فقد قال : إما عسلا مع ماء ، أو المركب مع العسل والماء . فإن اعترف بأن قول : هذا مع هذا موافق لأحد القولين : أيهما كان ، فيليق به أن يقول إن الأشياء التي قيلت أولا في كل واحد من هذين متفقة . وأيضا إذا فصلت قولك واحدا مع آخر على كم جهة يقال ، فينبغي أن ننظر إن كان ليس هذا مع هذا أصلا ، مثل أن يقال واحد مع آخر : إما على أنه قابل واحد بعينه كالعدالة والشجاعة في النفس ، أو في مكان واحد ، أو في زمان واحد ، ولم يكن ما قيل في هذه حقا أصلا ، فمن البين أن التحديد الموصوف ليس هو ولا لواحد ، إذ ليس هذا مع هذا أصلا . وإن كان وجود كل واحد من اللذين فصل منهما على كم جهة يقال واحد مع آخر في زمان واحد بعينه حقا . فينبغي أن ننظر إن كان يمكن ألا يقال كل واحد منهما بالقياس إلى شئ واحد بعينه ، مثال ذلك إن هو حد الشجاعة بأنها جرأة مع فكر صحيح . وذلك أنه قد يمكن أن تكون له جرأة على أن يحتفظ ، وفكر صحيح في الأمور الفاعلة للصحة . إلا أن الذي له هذا مع هذا في زمان واحد ليس هو بعد شجاعا .
وأيضا إن كانا جميعا يقالان بالقياس إلى شئ واحد بعينه بمنزلة ما يقال بالقياس إلى الأشياء الطبية ، فإنه ليس يمنع مانع من أن تكون له جرأة ما وصحة فكر بالقياس إلى الأشياء الطبية . إلى أنه على حال ولا هذا شجاعا ، أعنى الذي له هذا مع هذا . وذلك أن كل واحد منهما ليس ينبغي أن يقال بالقياس إلى الآخر ، ولا أي واحد استقبلك منهما إلى واحد بعينه ، لكن بالقياس إلى الغاية التي للشجاعة ، أعنى إلى مجاهدة الحروب ، أو إن كانت غاية هي أكبر من هذه .
وبعض ما يوصف بهذه الصفة لا يقع تحت هذه القسمة التي ذكرت ، مثل أن يكون الغيظ غما مع توهم استخفاف . وذلك أنه إنما يريد أن يبين أن الغم إنما يكون بسبب هذا الوهم » .
ابن سينا ، الجدل ، ص 288 : « وموضع في تفصيل المعية ونسبتها : هل بين أن تلك المعية في أي شئ من المحل والزمان ، وبالقياس إلى أي شئ ، وكيف حال أحد الأمرين من اللذين هما معا من الآخر ، كن يقول : إن الشجاعة اقدام مع فكر صحيح ، ولم يقل إنهما بالقياس إلى أي شئ . فربما كان ذلك بالقياس إلى استعمال المصححات ، وكان صاحبها طبيبا لا شجاعا . بل يجب أن ينسب ذلك إلى الجهاد .
وربما كان أحد الأمرين سببا للآخر ، أو غاية ، مثل من يقول : ان الغضب غم مع توهم الاستخفاف . فإن توهم الاستخفاف ليس جزءا من الغضب ، بل سببا له وللغم . وكذلك من قال : إن الري هو إرسال سهم مع إصابة . فان الإصابة ليست جزءا من الرمي ، بل خارجا عنه وغاية » .
( 1 ) - إنسان ، إنسانا ل