والموضع الرابع والعشرون : هو أن ما يشترك فيه الأصدقاء آثر مما ليس يشتركون فيه . وبهذا كانت الفضيلة آثر من الصحة ، واليسار أفضل من النسب ، والأدب آثر من اللذة . وأيضا ما يجب أن نفعله بالصديق أكثر من سائر الناس آثر مما يجب أن نفعله بجميع الناس ، وبمن اتفق ، وذلك أن الذين نؤثرهم بالمحبة [ 1 ] ، قد نختار لهم تعليم الحكمة . ما بذل المال فنختاره لمن اتفق من المحاويج . وهذان الموضعان خاصان بالمؤثرات . وقوتهما [ 2 ] واحدة . وذلك أن الأمر ، كما يقول [ 3 ] أرسطو [ 4 ] ، أنه ولا إنسان من الناس يؤثر ، عندما تحصل له سائر الخيرات ، أن يعيش بلا أصدقاء ، إذ كانت الأمور التي فيها التشارك معهم آثر مما يتوحد به « 1 » . وهذا الثاني هو أشد إقناعا من الأول ، وذلك أن الأول يجعل اليسار آثر من الصحة . وكان هذا الموضع الثاني مضادا للأول . وذلك أن العام في الأول هو الآثر من الخاص ، وفي الثاني الخاص آثر من العام « 2 » .
هامش
( 1 ) أبو حيان التوحيدي ومسكويه ، الهوامل والشوامل ، نشرة أحمد أمين والسيد أحمد صقر ، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ، القاهرة 1951 ، ص 179 : « ولتحصل لهم صورة التأحد الذي هو سبب كل فضيلة » .
وتوحد اللّه تعالى بالربوبية وتوحد فلان برأيه ( أساس البلاغة ، مادة وح د ) .
( 2 ) أرسطو ، 3 ، 2 ، 118 أ 1 - 5 ف . ع . 268 أ 7 - 11 ، طبعة بدوي ، ص 540 - 541 : « وأيضا ما يناله الأصدقاء آثر عندنا مما لا ينالونه ، وما يجب أن نفعله بالصديق أكثر مما نفعله بأفناء الناس هو آثر عنده . مثال ذلك : أن الإنصاف والإحسان أفضل من الظن . وذلك أنا نحب أن نعدل على أصدقائنا ، ونحسن إليهم أكثر مما نحب أن يكون ذلك منا إليهم بالظن . ونحب أن نفعل بأفناء الياس عكس ذلك » . الترجمة العربية غير دقيقة . فكلمة تعنى المشاركة . قارن شرح ابن رشد .
عن كلمة أفناء : انظر : أساس البلاغة ، مادة : ف ن و .
الظن : أعنى أن يظن الناس بنا أننا نحسن إلى أصدقائنا ونحن لم نفعل .
( 1 ) - بالمحبة : بالمودة ل
( 2 ) - وقوتهما : وقوتها ف
( 3 ) - يقول : يقوله ل
( 4 ) أرسطو : + من ف