متمكنة فيهم ، إذا امعنوا في الارتياض ثم يكثّر هجومها عليهم حتى يخرج عن اختيارهم هجومها ؛ ثم إن هذه الأنوار الخاطفة تثبت في أنفسهم وحينئذ تسمّى « سكينة » ثم إذا توغل في الرياضة تصير السكينة ملكة تحصل اى وقت شاء ؛ ثم بعد ذلك يحصل بهم قوة عروج إلى العالم العلوي وما دامت النفس مبتهجة بذاتها وبلذاتها ، فهي بعد غير واصلة . فان المسرورة بأثر الحق الواصل إليها نظران : نظر إلى الحق ؛ ونظر إلى ذاتها المسرورة به ، وحينئذ لا يحصل الوصول التام الحقيقي .
ثم بعد ذلك يفنون عن نفوسهم الملتذة وعن شعورها بلذاتها ، وهذا غير مناف لكون النفس لا تغيب عن ذاتها ؛ وان ذاتها عبارة عن ادراكها لذاتها . فان المراد ب « الغيبة » عدم ملاحظتها لذاتها الا من حيث هي لاحظة ، واللاحظ بهذا المعنى لاحظ ، فان اللحظ هو انه لاحظ لنفسه والملاحظة الثانية قيل هي ملاحظة النفس لذاتها لا من هذه الحيثية ، بل من حيث هي ملتذة بسبب الحق ، وهو الحجاب من النفس وألفنا ان لا يحس السالك بشيء من بدنه وحواسه والخارج عنه ، بل يغيب عن الكل ذاهبا إلى ربه متحدا به وبالجواهر العقلية . ولنرجع إلى شرح ألفاظ الكتاب .
فقوله : وهذه كلها اشراقات على النور المدبر .
أقول : معناه ان الأنوار السانحة الخمسة عشر المذكورة كلها اشراقات عقلية من العقل المفارق على الأنوار المدبرة الانسانية . فقد يعتدون من هذه الأنوار إلى معرفة أنفسهم التي عليها الاشراق ، ان كان صاحب الاشراق مستبصرا ذكيا نوريا وربما لا يهتدى إلى شيء من الأنوار لبلادته وظلمة نفسه ورداءة مزاجه . وإذا حصلت الاشراقات النورية على النفس ، فقد ينعكس النور من النفس إلى هيكلها البدني وإلى الروح النفساني ، فنظهر الأنوار المشرقة على البدن ظهورا بينا مع حسن تام وأبهة . وهذه الأنوار التي ذكرها الشيخ إلى هاهنا ، هي غايات السالكين المتوسطين وقد تحملهم هذه الأنوار إذا قويت في بعضهم لاستعداد تام من النفس
شرح حكمة الاشراق — صفحة 593
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٥٩٣