تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح حكمة الاشراق — صفحة 575

مساهمون:

ص٥٧٥
والذوقية ، أو الكاملين في الحكمة الكشفية والعملية . فان هؤلاء لمواظبتهم على الحكمة العملية والرياضة يحصل لهم مقام عظيم يقدرون فيه على مثل قائمة بذاتها في العالم المثالي يكون لها مظهر في هذا العالم على اى صورة أرادوا من الانسانية والفرسية والأسدية والطيرية وغير ذلك . وهذا المقام هو الذي سمّاه في الكتاب الإلهي مقام « كن » ، كما قال تعالى
« إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »

« 729 » ، ومن رأى هذا المقام ووصل اليه تيقن وجود عالم آخر غير الأنوار المجردة والبرازخ الحسية ، وهو العالم المثالي فيه المثل المعلقة والملائكة المدبرة لتلك الأمثلة وتتخذ لها طلسمات جسمية ومثل قائمة تنطق بها وتظهر بها وتتحرك ؛ وقد جرت من هذه المثل بطشات صعبة وقبضة شديدة قاهرة كلها بالأمثلة المثالي لا بالحسى . ولها أصوات عجيبة غريبة لا يتمكن الخيال ولا يقدر على محاكاتها للطفها وغرائبها . ثم العجب ان الانسان السالك عند تجرده ، في السلوك يسمع الصوت المثالي ويصغى اليه ويجد أيضا حينئذ خياله مستمعا إلى ذلك الصوت ، فذلك الصوت هو صوت من المثال المعلق في العالم الروحاني المثالي . وكل من احتك وجرب ودخل في المنامات الإلهية ، التي هي عبارة اما عن جمود القوى ، أو عن الحالة التي بين النوم واليقظة ، إذا ترقى في العالم المثالي الكثير الطبقات الغير المتناهية اشخاصه لم يرجع حتى يصعد من طبقة إلى طبقة من الصور الفاضلة المليحة وكلما كان صعوده أتم شاهد صور اصفى وأتم والذّ ، فلا يزال ذلك دأبه في الصعود والارتقاء حتى يترقى في الأخيرة من اشرف الطبقات وأفضلها وأشبهها بالأنوار المجردة إلى عالم النور على الترتيب من النور الأدنى إلى الاعلى ، ومن الأضعف إلى الأشد نورا ؛ ثم يبرز بعد الكل إلى نور النور ومعدن السرور واهب الوجود عز شأنه .

هامش
( 729 ) القرآن المجيد : سورة النحل ( 16 ) ، آية 40 ؛ وأيضا : القرآن المجيد : سورة يس ( 36 ) ، آية ، 82