تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح حكمة الاشراق — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢
الرديئة فتقع محبته وعشقه على الغواسق البرزخية الظلمانية ، فتقهره الظلمات البدنية والقوى الحسية والخيالية ، وحينئذ يبعد عن العالم الاعلى النوري وانما تقع محبته إلى العالم النوري المجرد على ما ينبغي ، إذا تمثل في ذاته أعيان الموجودات ، فيعرف نور الأنوار والأنوار القاهرة والنفوس الفلكية والنفس الناطقة والاجرام الفلكية والعنصرية ومركباتها ، وترتب الموجودات والمعاد على ما ينبغي بحسب الطاقة البشرية . ولما كان تدبير الصيصية البدنية والعناية بها واجبا لتحفظ التركيب البدني مدة من الزمان إلى أوان تحصيل الكمال الانساني ؛ فاجود الاخلاق الاعتدال في الأمور الشهوانية والغضبية ، وكذلك يجب ان يصرف الفكر إلى المهمات البدنية دون غيرها ؛ والخلق عندهم ملكة تصدر بها عن النفس الافعال بسهولة دون تقدم رويّة ويستعمل التوسط بين الخلقين المتضادين لا بان يفعل افعال التوسط ، بل يحصل ملكة التوسط كأنها موجودة القوة الناطقة والحيوانية معها ؛ فللناطقة الاستعلاء وللحيوانية الاذعان ؛ وبالجملة يحصل لها الهيئة الاستعلائية على البدن ولا ينفعل من القوى ويحصل لها العدالة ؛ وهي عفة وشجاعة وحكمة ؛ فالعفة توسط القوة الشهوانية بين الجمود والشره ؛ والشجاعة توسط القوة الغضبية بين الجبن والتهور ؛ واما الحكمة ، فليس التوسط مطلق باقيها بل كلما كان الامعان فيها أكثر كان كمالا كما قال « وقل رب زدني علما » ؛ وقال ( ابن سينا ) في « الشفاء » : « وكأنه ليس يبرى الانسان عن هذا العالم وعلائقه ، الا ان يكون اكد العلاقة مع ذلك العالم » ، فصار له شوق إلى ما هناك يصده عما هاهنا ولا تتم السعادة مع العلم الا باصلاح الجزء العملي ، وهو الخلق والاخلاص لمن لم يكن أكثر همه الآخرة وأكبر فكره في عالم النور : فان أكبرهم الانسان إذا كان في الآخرة وأكثر فكره في عالم النور دل ذلك على غلبة الشوق والعشق على ذلك الانسان بعد