تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح حكمة الاشراق — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
التصوفية ، فحينئذ يحصل له شوق إلى عالم الأنوار ولا يزال كلما ازداد مما ذكرناه من الفضائل يزداد شوقه إلى ذلك العالم النوري ، حتى يكون شوقه إلى العوالم النورية أكثر منه إلى العالم الجسماني الظلماني . فكلما ازداد بالفضائل نورا وضوء وصفاء ازداد عشقا وشوقا ومحبة إلى الأنوار القاهرة والجواهر الفاخرة فيزداد عشقا وعظمة وكرامة وقربا عقليا من نور الأنوار تعالى وتقدس . والأنوار المتصرفة الاسفهبذية قواها متناهية التأثير ، إذ لو كانت غير متناهية قوة التأثير لم يحجبها عن الأفق الاعلى النوري بجذب شواغل الاجرام البدنية ، فإذا اتفق لبعض الأنوار الاسفهبذية انها قهرت الجواهر الغاسقة المظلمة ، من الشهوة والغضب وغيرهما ، وقوى عشقها وشوقها إلى العالم الاعلى النوري واستضاءت بالأنوار القاهرة العقلية فحصل لها في هذا العالم ملكة الاتصال بالعالم النوري المجرد المحض ؛ فإذا انفسدت قوالبها الانسية وصياصيها الجسمية لا تنجذب بالتناسخ إلى الصياصي الحيوانية الصامتة ، بل تكون لكمال قوتها وشدة نوريتها وقوة شوقها وعشقها منجذبة إلى العوالم النورية والذوات القدسية ينابيع النور المنعوتة بالشوارق العقلية العظيمة العاشقة لسنخها وأصلها المنجذبة إلى ينبوع الحياة والنور ، فهو العالم العقلي والنور الإلهي . وهذه الأنوار المدبرة الموصوفة بهذا الكمال لا تنجذب على سبيل التناسخ إلى أبدان الحيوانات المذكورة والصياصي المنكوسة ، ولا يكون لها شوق ونزوع إليها ، فلا جرم تتخلص إلى العالم النوري الاعلى والمحل الأسنى ، وتصير مطهّرة من الجهالات وسائر العلائق الجسمانية بطهارة أشعة نور الأنوار والأنوار القاهرة الطاهرة المقدسة . ولما كانت المبادى العقلية والذوات الطاهرة القدسية لا يتصور القرب منها بالمكان ، لتنزهها عن العلائق الجسمانية ، بل القرب منها انما هو بالصفات العقلية والمعاني التجردية كان أكثر الناس تجردا عن العلائق الجسمية والأمور الظلمانية أشد قربا منها ؛ والشوق إلى العالم العلوي والعشق للصقع الإلهي حامل الذوات الدرّاكة المدبر إلى نور الأنوار والأنوار القاهرة ، فالأتم شوقا وعشقا بالعلوم الإلهية والفضائل