الحيوانات المنتكسة الصامتة لشبههم خلقا وعيشة ، كالجند من الأتراك التي تشبه خلقتهم وعيشتهم اخلاق السباع ، لا جرم بعد الموت ينتقلون إليهم على التدريج إلى الأكبر على المراتب ثم إلى الأوسط كذلك ، ثم إلى الأصغر على المراتب في أزمنة طويلة . وإذا فارقت النفس للحيوانات الصغيرة دون التطهر من ذلك الخلق الرديء تتعلق بالحيوانات المناسبة لذلك الخلق ومن العالم المثالي على التدريج إلى أن يزول فحينئذ ترقى إلى عالم الجنان .
وهذا الجواب الذي ذكرنا على لسان أهل التناسخ يصح ان يكون جوابا لمن يقول بالانتقال إلى الحيوان والنبات والمعادن ، ويصح ان يكون جوابا لمن يقول بصحة الانتقال إلى الحيوان والنبات دون المعادن ، ولمن يقول بالنقل إلى الحيوانات فقط دون غيرهم كما هو رأى صاحب الكتاب . فان المعادن والنبات لا حس لها ولا حركة إرادية ، فلو تعلقت بها النفوس المستنسخة لتعطلت بالانتقال إليها عن اكتساب الكمال العقلي ولم تزل الاخلاق الرديئة ، فان الحكمة التي لأجلها وجب التعلق انما هو تحصيل الكمال العلمي والعملي ولا يمكن ذلك الا بالتعلق بالأبدان الحيوانية الحساسة لنزول الرذائل الخلقية وغيرها بالعذاب والعقاب وشدة الموت والمصائب باستعمال الأبدان الحيوانية ، وذلك هو طبقات النيران . فهذا تفصيل ما ذكره في الكتاب من مذاهب المشرقيين . وربما جوّزوا النقل في غير الانسان من الحيوانات الصامتة من شخص إلى مشاكله من نوعه بشرط ان لا يلزم من ذلك المزاحمة التي في الانسان ؛ فان الانسان لما كان مستعدا لقبول الفيض الجديد العقلي من المفارق فلو جاز انتقال نفس مستنسخة اليه وأخرى فائضة لازدحم على البدن الواحد نفسان ، وهو محال . فهذا معنى قوله : « ما لم يلزم المزاحمة التي في الانسان لاستعداد الفيض » .
قوله : وقال المشاءون .
أقول : ذكر جماعة الاشراقيين ان استحقاق البدن الانساني بمزاجه الخاص
شرح حكمة الاشراق — صفحة 528
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٥٢٨