ويسمّون انتقال النفس من البدن الانساني إلى بدن انساني آخر « نسخا » ؛ وإلى بدن حيواني « مسخا » ؛ وإلى البدن النباتى « فسخا » ؛ وإلى الجمادى « رسخا » . وصاحب اخوان الصفا يميل إلى جواز انتقال النفوس إلى جميع هذه الأجسام مترددة فيها ازمانا طويلة ، أو قصيرة ، إلى أن تزول الهيئات الرديئة ثم تنتقل منها إلى العالم الفلكي الخيالي .
والشيخ قرر في الكتاب واختار من مذاهب التناسخ مذهب من يقول بجواز التناسخ من البدن الانساني إلى أبدان الحيوانات الجائز انتقال بعضها إلى بعض دون النبات والمعادن . وقد مال كل حكيم فاضل متأله إلى هذا الرأي من فارس وبابل واليونان والهند . فيقولون : ان النفوس الكاملة تتجرد بعد المفارقة البدنية بالكلية وتتصل بالعالم العقلي المحض ولا يجوزون النقل في هذه النفوس ، ويوجبون النقل في غيرها من النفوس ؛ فالسعداء غير الكاملين لا يتخلصون بالكلية ، بل تنتقل علاقتهم إلى الاجرام الفلكية والأشقياء إلى الأجساد الحيوانية على ما سيأتي تفصيله .
إذا عرفت هذه المقدمة ، فاعلم أن النفس الناطقة لما كانت حادثة بحدوث البدن ، فان المزاج البدني باستعداده الخاص استدعى وجودها وتعلقها بالبدن ، فإذا تعلقت به وتصرفت فيه بالامر والنهى ووصل إليها بسببه للذات البدنية والراحات الجسمانية ، من الاكل والشرب والنكاح والملبس والفرح وغير ذلك من اللذات الجسمية ، الفت البدن لذلك وعشقته ومالت بكليتها اليه لأنه هو الذي استدعى وجودها من العقل المفارق . وكان أيضا علة تعلقها بالبدن فقرها في نفسها ، لأنها بالقوة فهي مشتاقة إلى أن تصير بالفعل وذلك غير حاصل الا بالتعلق البدني ، وكان مع ذلك لها نظر إلى ما فوقها من العوالم العقلية والذوات المقدسة لأنها نور مجرد في نفسها فلا ينقطع عنها النظر إلى عالم الأنوار المناسب لها . ثم لما كان البدن مظهرا لافعالها ومترجما لاقوالها وحقيبة جامعة لأنوارها العرضية التي في الأرواح
شرح حكمة الاشراق — صفحة 520
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٥٢٠