الغاية . واما الحكماء الأوائل ، كهرمس وانباذقلس وفيثاغورس وسقراط وأفلاطون وغيرهم من حكماء يونان ومصر وفارس والهند والصين ، وهم القائلون بتجرد النفوس الكاملة بعد المفارقة البدنية إلى العالم العقلي المذكور . واما الناقصون ، فإنهم لا يتجردون للكلية بل تتناسخ أرواحهم في أبدان الحيوانات الصامتة بحسب الهيئات الرديئة التي لهم ومناسبة أخلاقهم لاخلاق الحيوانات المنتقلة إليها .
ومن القدماء من يقول بعدم تجرد جميع النفوس بعد المفارقة وهم المترّفون ب « التناسخية » ، فإنهم يزعمون أن النفوس جرمية دائمة الانتقال في الحيوانات وهؤلاء أضعف الحكماء ، وأقلهم تحصيلا . وكان المبطلون من الحكماء انما يبطلون هذا المذهب الذي هو في غاية الفساد فإنه ان كان مرادهم بكون النفوس جرمية انها منطبعة في الأبدان دائمة الانتقال في الحيوانات وغيرها من الأجسام ، فهو محال لامتناع انتقال الصور والاعراض من محل إلى آخر ؛ وان أرادوا بجرميتها تجردها ، وانها مع ذلك دائمة الانتقال في الأبدان من غير خلاص إلى العالم العقلي ، فهو باطل . إذ العناية الإلهية تقتضى اتصال كل ذي كمال إلى كماله وكمال النفس الناطقة العلمي صيرورتها عقلا مستفادا فيها صور جميع الموجودات ؛ والعملي تجردها عن العلائق البدنية ، فلو كانت دائمة الانتقال كانت ممنوعة عن كمالها أزلا وابدا ، وهو محال .
وابتدأ الشيخ بتقديم رأى الأقدمين وهم القائلون بجواز التناسخ الذي هو عبارة عن انتقال نفس الانسان أو غيره من الحيوانات عن تدبير بدنها إلى تدبير بدن آخر من نوعها أو من غير نوعها ، وبينهم اختلاف في الانتقال ، فبعضهم جوّز انتقال نفس الانسان إلى نوع البدن الذي انتقلت منه فقط دون غيره من الأنواع ؛ وبعضهم جوّزه في غير نوع الانسان من أنواع الحيوانات دون النبات والمعادن ؛ وآخرون جوّزوا الانتقال إلى الحيوان والنبات فقط ؛ وآخرون جوّزوا ذلك في الحيوان والنبات والمعادن .
شرح حكمة الاشراق — صفحة 519
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٥١٩