من أحوال المدبر وحده ، أو مع غيره كالصقاليات ، فإنها مشروطة بشهود الحي الباصر . ونسبة غير النفس الفاعلية إلى ما لها ، كالمحل للنقوش ، كانت منه أو من غيره ، فإذا بطل الحال المبدأ بطلت . فالنور المجرد موجبة دائم ، فيدوم . ولو كانت الأنوار المدبرة قابلة للعدم ، لكان انعدامها للهيئات الظلمانية ؛ ففي حالة مقارنة علائق البدن كانت أولى بالعدم ، لا بعد المفارقة . وإذا تخلص النور المجرد عن الظلمات ، فيبقى ببقاء النور القاهر الذي هو علته وموت البرزخ انما هو لبطلان مزاجه الذي كان به صلاحية قبول تصرفات النور المدبر . أقول : هذه « المقالة » تشتمل على فصول نفيسة ومسائل شريفة ، لا سيّما « الفصل الأول » « 641 » ، فان فيه عبارات رائقة يتضمن معاني فائقة والفاظا فصيحة فيها معاني دقيقة . ومراده من هذا الفصل بيان أحوال النفوس الناطقة بعد المفارقة البدنية ، وأحوال السعداء من الكاملين والمتوسطين ، وانتقال نفوس الأشقياء عن الأبدان البشرية إلى الأجساد الحيوانية المناسبة لها في الاخلاق والافعال وغير ذلك . واعلم أن الحكماء ينقسمون إلى قسمين : الأول ، هم المانعون للتناسخ والمبطلون له ، كالمعلم الأول واتباعه من المتقدمين والمتأخرين . فإنهم يقولون إن جميع النفوس الناطقة يتجرد بعد المفارقة البدنية ، فالسعداء الكاملون يتصلون بالعالم العلوي العقلي وينالون من الابتهاجات العقلية ما لا يمكن التعبير عنها كما اخبر الصادق ، عنه من « نعيم الجنان » حيث قال فيها « ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » غير منقطعة لذاتهم ولا متناهية مسراتهم ؛ واما الأشقياء الناقصون ، فيحتجبون عن ذلك العالم العلوي الاعلى والمحل الأسنى لجهلهم بالعلوم الحقيقية واكتسابهم الهيئات الرديئة الخلقية ، فتبقى نفوسهم معذبة في ظلمة الجهل والحجب الخلقية اما أزلا وابدا ان كان الجهل مركبا والاخلاق في غاية الرداءة أو يزول عنها بعد زمان ان كان الجهل بسيطا والخلق الردىء ليس في
شرح حكمة الاشراق — صفحة 518
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٥١٨
هامش
( 641 ) ل : - الأول ( وهو « الفصل الأول » من « المقالة الخامسة » من « القسم الثاني » للكتاب . م ) .